يا نصيب ياسين جابر.. كومة بيانات بلا رقابة

يا نصيب ياسين جابر.. كومة بيانات بلا رقابة

  • ٠٥ تشرين الأول ٢٠٢٦

يا نصيب الفواتير في المادة ٦١ من موازنة ٢٠٢٧.. ثغرات تكشف حدود الاقتراح قبل أن يبدأ السحب الأول

اذا مش التلاتا الخميس. وهذه المرة لن تكون الجائزة لك إذا طابقت أرقام اللوتو ، فطريقك إلى الربح أن تدفع فواتيرك. 

اقتراح أثار الاستغراب أكثر مما أثار الحماس إذ يتجه وزير المال ياسين جابر إلى إطلاق «يانصيب الفواتير»، بحيث تتحول أي فاتورة صادرة عن سوبرماركت أو مطعم أو مزوّد خدمة إلى ورقة يانصيب تمنح صاحبها فرصة الربح.

ويرد هذا الاقتراح في المادة ٦١من مشروع موازنة  ٢٠٢٧. وتقوم الآلية على أن يطلب المواطن الفاتورة من البائع، ثم يسجلها إلكترونياً على موقع الوزارة، فتحصل الدولة بذلك على معلومات تساعدها في مكافحة التهرب الضريبي.

ويثير الاقتراح تساؤلاً أساسياً، فإصدار الفاتورة وطلبها واجب قانوني أصلاً، ويرتب على المخالف غرامات مالية. غير أنّ الوزارة، بدل تشديد الرقابة على المخالفين، تسعى إلى تكليف المواطن نفسه بمهمة تقع في صلب عملها.
ولا تكمن المشكلة في فكرة اليانصيب بحد ذاتها، بل في ما إذا كانت وسيلة ذكية لتحفيز المواطن على المطالبة بحقه، أم أنّها محاولة لتعويض ضعف أدوات الرقابة والعجز عن ملاحقة المتهربين.

الفكرة معمول بها في دول عدة، ووصل إليها لبنان متأخراً. فتايوان بدأت تطبيقها منذ خمسينيات القرن الماضي، وبلغت الجائزة الكبرى فيها نحو ٣٠٠ ألف دولار، وسارت على نهجها دول أخرى بينها مالطا والبرتغال.

لكن الفارق جوهري. فاليانصيب في تايوان لم يكن إجراء معزولاً، بل جزءاً من منظومة ضريبية ورقمية متكاملة، تشمل فواتير موحّدة وبيانات إلكترونية وربطاً مباشراً بالإدارة الضريبية وآليات للتحقق من الفواتير الرابحة.وهذه العناصر لا تتوافر في الاقتراح اللبناني، الذي ينسخ الجائزة ويترك المنظومة.

وبحسب البنك الدولي، ارتفع الالتزام الضريبي أو الإيرادات في بعض الدول التي اعتمدت هذه الآلية، لكن تأثيرها كان محدوداً في دول أخرى. ففي سلوفاكيا، بلغت الزيادة في إيرادات ضريبة القيمة المضافة نحو ثمانية ملايين يورو سنوياً، غير أنّ معظم الفواتير صدر عن متاجر كبرى تلتزم أصلاً بالضريبة، فيما كانت مشاركة قطاع الخدمات ضئيلة. أما في الصين، فقد قابل كل يوان أنفقته الدولة على اليانصيب نحو ٣٠ يواناً من الإيرادات الضريبية وهي نتيجة لا يمكن افتراض تكرارها في بيئة مختلفة كلياً.

وقد حذّر البنك الدولي من أنّ يانصيب الفواتير لا يصلح إجراء منفرداً لمكافحة التهرب الضريبي، خصوصاً في الاقتصادات التي يغلب عليها التعامل النقدي كما هي حالة لبنان.
وفي بلد كلبنان، قد تجمع الوزارة آلاف الفواتير أو ملايينها، لكنها تفتقر إلى القدرة التقنية والبشرية على مطابقتها مع التصاريح الضريبية للشركات. وبذلك تصبح أمام كومة من البيانات بدل رقابة فعلية.

فالمواطن لا يمكن أن يكون بديلاً من الإدارة الضريبية. وقد تكون فكرة اليانصيب حافزاً شعبياً مقبولاً، لكن مكافحة التهرب الضريبي تتطلب تشغيل الإدارات وتفعيل النظام الرقابي وتأهيل الموظفين، والأهم قراراً جدياً من الدولة بملاحقة المتهربين.

أما بيت القصيد فهو غالباً ما يكون المتهرّب من الضريبة هو من يحتمي بنفوذ تؤمّنه له القوى السياسية داخل الدولة، أي الفريق الذي ينتمي إليه الوزير جابر وحلفاؤه، والجالسون معه إلى الطاولة نفسها.