أيلول الأسود.. الشهر الذي كسر أسطورة نصراللــه!
أيلول الأسود.. الشهر الذي كسر أسطورة نصراللــه!
عملية «البيجر» لم تكن يوماً عن آلاف الإصابات وحدها. كانت عن اختراق وصل إلى عتبة حسن نصرالله نفسه
الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر١٧ أيلول عام ٢٠٢٤. لم يكن حسن نصرالله بين آلاف عناصر حزب الله الذين حملوا أجهزة النداء «البيجر» التي انفجرت في وقت واحد تقريباً في مناطق متفرقة من لبنان. لكنه، بحسب ما نقله مقرّبون منه، قد أصابه وجع عميق، وجع رجل رأى للمرة الأولى في مسيرته حجم الاختراق الذي بلغ صفوف تنظيمه. وانقطع عن الطعام لأكثر من ٢٤ ساعة واعتبرها نهاية العالم.
يروي وفيق صفا، في إحدى المقابلات التي أدلى بها لاحقاً، أنّ عرض مقاطع الفيديو والصور الصادمة للانفجارات على الأمين العام كان خطأً ارتكبه بعض المقرّبين منه. فالمشاهد، بحسب هذه الرواية، لم تكن مجرّد تقرير أمني، بل صدمة بصرية مباشرة لم يتحمّلها نصرالله ، ولم يعُد هو نفسه لا في الشكل ولافي الأسلوب.
قبل هذين اليومين المصيريين، لم يكن نصرالله بحاجة إلى دروس في الحذر؛ فقد اختفى عن الأنظار العلنية منذ حرب تموز ٢٠٠٦ ولم يظهر إلا نادراً، وأدار حزبه من مخابئ لم يُكشف موقعها طوال ١٨عاماً. كان يعتقد أنّ إسرائيل، رغم كل قدراتها، لن تستطيع الوصول إليه شخصياً، وأنّ هناك منظومة ردع متكاملة تحمي القيادة والبنية التحتية للحزب من أي اختراق نوعي.
تفجير أجهزة البيجر في ١٧ أيلول، وتلاه تفجير أجهزة اللاسلكي في اليوم التالي، لم يكونا مجرّد ضربة أمنية عابرة، بل كانا اللحظة التي تهاوت فيها هذه القناعة الراسخة.
فبعد تفجيرات الأجهزة، ازدادت الإجراءات الأمنية حوله، وأصبح احتمال استهدافه أكثر حضوراً في حسابات الحزب.
كما أنّ الحادثة فتحت موجة تساؤلات وشكوك داخل البيئة الحزبية نفسها، وخلّفت ندوباً لم تندمل حتى اليوم حول مدى الاختراق ومدى قدرة القيادة على حماية صفوفها.
لقد فهم نصرالله حجم الضرر، فظهر في ١٩ أيلول أي بعد يومين من تفجير البيجر، في خطاب متلفز محاولاً تحويل الصدمة إلى صمود، مؤكداً أنّ حزب الله سيواصل مواجهة إسرائيل رغم الضربة الأمنية الكبيرة.
غير أنّ وتيرة الأحداث في الأيام التالية جعلت خطاب ١٩ أيلول يتهاوى أمام حجم الاختراق الفعلي والتطورات المتسارعة التي أعقبته.
فقد بدأت إسرائيل بشنّ سلسلة من الضربات الجوية المركّزة التي استهدفت قيادات ميدانية وأمنية بارزة في الحزب، قبل أن تأتي الضربة القاضية في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤، لتُنهي بذلك مرحلة كاملة من تاريخ التنظيم. نصرالله، الذي كان قد تجنّب الظهور العلني لسنوات خوفاً من الاغتيال، اغتالته إسرائيل في نهاية المطاف داخل مخبئه المحصّن تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت.
الاغتيال لم يكن حدثاً معزولاً، بل كشفاً: كشفاً عن عمق الاختراق الاستخباري الإسرائيلي في جسد حزب الله. فالعملية لم تُبنَ من فراغ، بل جاءت تتويجاً لتفكيك ممنهج لشبكة الاتصال والقيادة، ضربة تلو ضربة، حتى بلغت القمة.
لهذا، «عملية البيجر» لم تكن يوماً عن آلاف الإصابات وحدها. كانت عن معادلة انهارت من الداخل، وعن اختراق لم يتوقف عند الصفوف، بل تسلّل حتى وصل إلى عتبة حسن نصرالله نفسه.
يملك الحزب، كعادته، خيار الإنكار وترميم الصورة بخطاب الصمود والاستكبار للحفاظ على معنويات بيئته. إلا أنّ أيلول الأسود لم يترك له هذا الترف.
فقد أنهى الأسطورة بموت البطل في نهاية القصة

