من «الحب في زمن الكوليرا» إلى «الحب في زمن حزب الله وإسرائيل»

من «الحب في زمن الكوليرا» إلى «الحب في زمن حزب الله وإسرائيل»

  • ١١ أيلول ٢٠٢٦
  • أنطوان الخوري طوق

لقد أتعبنا هذا الزمن لكنه لم ينجح بعد في إقناعنا بأنّ الحياة قد انتهت وربما يصبح «الغد» أكثر رحمة من اليوم والأمس.

اعتقدت طويلاً أنّ ما يجمع بين زمن الكوليرا عند غابرييل غارسيا ماركيز وزمن الحرب الذي نعيشه هو حضور الموت، ثم بدا لي أنّ الأمر أعمق من ذلك. في زمن الكوليرا كان الموت يأتي من الماء وفي زمن الحرب يأتي من السماء، في زمن الكوليرا كان الناس يخافون الاقتراب من بعضهم لأنّ ذلك يحمل العدوى، وفي زمن الحرب يخاف الناس الاقتراب لأنّ ذلك يحمل الموت. 

هناك كان المرض يعزل الجسد عن الجسد، وهنا الحرب تعزل الإنسان عن الإنسان، هناك يصبح الماء موضع شكّ وهنا تصبح السماء موضع شكّ، هناك يراقب الناس أعراض الوباء وهنا يلاحقون نشرات الأخبار، هناك يعدّون المرضى والموتى، وهنا يحصون القتلى والبيوت المهدّمة والقرى والبلدات المختفية والحقول المحروقة، هناك ينتظر الناس انحسار الوباء وهنا ينتظرون وقف إطلاق النار وانحسار الحرب، وفي الحالتين يتقلّص المستقبل في كلمة واحدة: غداً.

غداً ينتهي الوباء، غداً تتوقف الحرب، غداً نعود، غداً نلتقي، لكن غداً في زمن الأوبئة والحروب قد يكون من أكثر الكلمات قسوة، لأنّه وعد لا يملك أحد ضمانه، ولكن مع ذلك هناك فرق لا يجوز طمسه، الكوليرا لا إرادة لها، للحرب إرادات، الكوليرا لا تعرف مَن أنت، الحرب تسأل مَن أنت وإلى أي جهة تنتمي، وما الذي تمثله ومَن هو عدوّك، الكوليرا لا تحتاج الى خطاب كي تقتل أما الحرب فتحتاج دوماً إلى خطاب يبرّر الموت ويمنحه إسماً: دفاع، ردع، مقاومة، إنتقام، ضرورة حماية، نصر، ولهذا فإنّ الكوليرا مهما كانت فتاكة تظلّ وباء طبيعياً، أما الحرب فهي وباء بشريّ يصنعه البشر ويقرّرون استمراره ويورثون آثاره.

وهنا تحديداً تصبح مأساة الإنسان أكثر مرارة لأنّ حزب الله وإسرائيل في صراعهما الطويل لم يتقاتلا فوق الخرائط وحدها، لقد لعب الصراع بصورة مباشرة وغير مباشرة بمصائر أناس كثيرين لم يختاروا أن يكونوا أطرافاً فيه، فقد دخلت الحرب إلى البيوت، إلى المدارس، إلى الذاكرة، إلى الحبّ، أفسدت مواعيد لم تتمّ وفرّقت أناساً لم يريدوا الفراق وأجبرت آخرين على الرحيل إلى أماكن بعيدة وحوّلت الإنتظار من حالة عاطفية إلى أسلوب حياة.
صار العاشق لا يسأل فقط  «هل تحبني  بل هل سنبقى أحياء بما يكفي لنحب بعضنا؟». 
وهنا يصبح ماركيز حاضراً لا بوصفه كاتباً نريد تقليده بل بوصفه مرآة نختبر فيها زمننا. في «الحب في زمن الكوليرا» كان الحب يحاول أن يجد مكاناً داخل زمن إستثنائي، أما عندنا  فالحب يحاول أن يجد مكاناً داخل زمن صار الإستثناء فيه عادة. 

هناك كان المرض يفصل بين الناس، وهنا باستطاعة الحرب أن تجعل الإنقسام نفسه ميراثاً، فالطفل لا يرث بيتاً مهدّماً: قد يرث خوفاً وقد يرث صورة عن الآخر، وقد يرث عداوة لم يختَرها وقد يكبر وهو يعرف إسم عدوه قبل أن يعرف لماذا هو عدّوه وهنا تبلغ الحرب أخطر مراحلها: حين لا تعود الحرب بحاجة إلى أن تستمر في الخارج لأنّها أصبحت مستمرّة ومتجذرة في الداخل، قد تصمت المدافع والصواريخ والسلاح لكن الذاكرة لا تصمت، قد تنتهي المعارك لكن اللغة التي صنعتها قد تبقى طويلاً، قد تتوقف البنادق، لكن الإنسان  قد يبقى يرى الآخر من خلال الخندق الذي عاش فيه، وهذا يجعل الحب في زمن الحرب أكثر من قصة عاطفية، أن تحب في زمن الإنقسام والتشرذم هو أن  ترى الآخر إنساناً قبل أن تراه طرفاً، وأن تخاف عليه لا من هويته، أن تسأل كيف أحوالك؟ قبل أن تسأل مع مَن أنت؟، أن ترفض أن تتحوّل عداوات الكبار  إلى قدر للصغار، فالحرب تريد أن تجعل الإنسان إبناً لمعسكره والحب وحده يعيد إليه فرديته.
الحرب تقول: هذا من جماعتك وهذا من جماعتهم، والحب يقول: هذا وجه، هذه يدّ، هذا قلب،  هذا إنسان،  يخاف مثلك من الموت ويريد أن يرى صباحاً آخر، لهذا لا يكون الحب في زمن الحرب هروباً من السياسة، إنّه في أعمق معانيه رفض لأن تبتلع السياسة الإنسان، فالصراع يمكن أن يرسم حدوداً على الخريطة لكنه لا يملك الحقّ في أن يرسمها داخل القلب، قد يستطيع السلاح أن يفرض مساحة بين بيتين، بين عائلتين، بين حزبين، ولكنه لا يستطيع إلى الأبد أن يقرّر «مَن يحب مَن». 

وفي النهاية لا يبقى من الحرب عدد الصواريخ وحده ولا من الكوليرا عدد الموتى وحده، يبقى ما فعلته الكارثة بالحياة، ما الذي أجلّته، ما الذي أفسدته، ما الذي لم يسمح أن يولد، كم موعداً تأجل؟ كم عائلة لم تكتمل؟ كم طفلاً كبر قبل أوانه؟ كم إنساناً عاش عمره وهو ينتظر الغد.

فلورنتينو أريسا وفيرمينا داثا بطلا رواية ماركيز كانا يواجهان زمناً فرضته الكوليرا أما عاشقا اليوم فيواجهان زمناً فرضه بشر، ولهذا فإنّ إعادة كتابة عنوان ماركيز ليست مجرد لعبة أدبية، إنّها محاولة لقول. شيء بسيط قاسٍ ومرّ: لقد طال الصراع حتى صارت عواطف الناس من ضحاياه الصامتة.
فلورنتينو كان ينتظر إمرأة، كان ينتظر الحبّ  لأنّه كان خياره، في نهاية رواية ماركيز يواصل فلورنتينو وفيرمينا الرحلة فوق النهر ولا يهمهما أنّ العالم من حولهما قد تغيّر ولا أنّ العمر قد سرق منهما، المهم أنّهما بعد كل ذلك الإنتظار ولو كان نصف قرن وجدا طريقة للبقاء معاً.

أما نحن فما نزال ننتظر أن ينتهي الصراع بين حزب الله وإسرائيل كي تعود الحياة الى ما كانت عليه وكأنّ الحياة تنتظر على الرصيف وكأنّ الذين غادروا بيوتهم وحقولهم ومطارحهم سيعودون إليها بالسهولة نفسها التي يعود بها المرء إلى مقعده بعد انتهاء العاصفة، لكن الصراع لا يأخذ من الناس بيوتهم وأرزاقهم وحدها: إنّه يأخذ منهم الوقت، والسنوات التي يمكن أن تكون حباً، واللقاء الذي ألغي لأنّ الطريق لم تعد آمنة، والزواج الذي كان يمكن أن يحدث.

وهنا تصبح المسافة بين ماركيز وزمننا واضحة، نحن ننتظر لأنّ الحرب قد فرضت  علينا الإنتظار، فالوباء عند ماركيز كان قدراً أعمى، أما الحرب التي تحاصرنا فلها أطراف وقرارات وحسابات، ولها من يستطيع أن يبدأها، ومن يستطيع أن يوقفها، ومن يستطيع أن يوسعها. ولهذا حين نعيد عنوان ماركيز إلى زمن حزب الله وإسرائيل، فإنّنا لا نبحث فقط عن تشابه شعري: نحن نسأل عما فعلاه بالناس حين جعلا حياتهم معلقة بين جولة وجولة، بين صاروخ وردّ على الردّ، وبين وعد بالتهدئة وخوف من عودة النار. 

وفي حالتنا ثمّة سوال إضافي لا يستطيع ماركيز الإجابة عنه نيابة عنا: إذا كان الإنسان يستطيع أن يحب في زمن الوباء، فهل يستطيع أن يحبّ في زمن يُطلب منه أن يخاف من إنسان آخر؟ وهل يستطيع بعد كل هذا أن يختار الحياة لا بوصفها نجاة فردية بل بوصفها حقّاً مشتركاً؟ ماذا يبقى من ماركيز في زمن الحرب؟

يبقى السؤال، ويبقى الحب، ويبقى الإنسان إذا استطاع أن يحمي في داخله المساحة الأخيرة التي لم تصل إليها الحرب بعد، يبقى الحب حين يرفض أن ينتظر موت الزمن  كي يبدأ، ويبقى الإنسان حين يصرّ وسط الحرب على أن تكون له حياة لا تشبه الحرب، فالحب موقف والأمل شجاعة والبقاء في الوطن حلم، وهكذا يشتدّ الحبّ كلما اقترب من الموت، لأنّ «الحكمة لا تصل إلا عندما لا يعود لها أي نفع» ولأنّنا مثل فلورنتينو وفيرمينا نرفض أن نعطي الموت الكلمة الأخيرة.

لقد أتعبنا هذا الزمن لكنه لم ينجح بعد في إقناعنا بأنّ الحياة قد انتهت وربما يصبح الغد أكثر رحمة من اليوم والأمس.