دعوا الأردن وشأنه

دعوا الأردن وشأنه

  • ١١ أيلول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

كيف يمكن لخطاب يرفع الدفاع عن «أهل البيت» عنواناً مركزياً أن يتعامل مع الدولة الهاشمية الأردنية كهدف عسكري، لمجرد أنّها تستضيف قوات أميركية

تتكرر في كل جولة من جولات التصعيد الإيراني ـ الأميركي محاولات استهداف مواقع عسكرية أميركية في الأردن، في مشهد بات يضع المملكة أمام معادلة لا تبدو طرفاً فيها، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى تحمل تبعاتها 
الأمنية والسياسية.

وجود قواعد أو قوات أميركية في الأردن ليس أمراً استثنائياً في المنطقة، إذ تستضيف دول عربية وغير عربية عدة وجوداً عسكرياً أميركياً بدرجات مختلفة، ضمن تفاهمات واتفاقات أمنية مع واشنطن. 

وبالتالي، فإنّ وجود هذه القوات لا يحوّل الأردن تلقائياً إلى طرف في أي مواجهة أميركية ـ إيرانية.

ومع ذلك، تتعامل طهران مع هذه المواقع باعتبارها أهدافاً عسكرية، فتطلق كل فترة وأخرى الصواريخ والمسيّرات باتجاهها، في وقت تكون فيه النتيجة في معظم الأحيان اعتراض المقذوفات أو سقوطها بعيداً من أهدافها، مقابل نتيجة أخرى أكثر وضوحاً: تعكير أجواء بلد كامل وإدخال الأردنيين في حالة من القلق لا علاقة لهم بها.

والأردن، في هذه المعادلة، ليس الولايات المتحدة. ولا ينبغي أن يُعامل كذلك. فالمملكة ليست صاحبة القرار في السياسة الأميركية تجاه إيران، وليست مسؤولة عن المواجهة بين طهران وواشنطن، كما أنّ الشعب الأردني لم يختَر أن يكون جزءاً من هذه الحرب.

لذلك، فإنّ تحويل الأردن إلى ساحة إضافية لتبادل الرسائل العسكرية لا يغيّر كثيراً في موازين القوى، بقدر ما يخلق مشكلة جديدة لدولة عربية حافظت، طوال السنوات الماضية، على استقرارها وسط إقليم شديد الاضطراب.

واللافت أنّ استهداف الأردن يأتي من الجانب الإيراني تحت عنوان استهداف القوات أو القواعد الأميركية، وكأنّ هذا التبرير يلغي حقيقة أنّ الصواريخ تعبر أجواء دولة ذات سيادة، وأنّ أي خطأ في مسارها قد يصيب منطقة سكنية، أو اعتراضاً جوياً إلى شظايا تسقط على المدنيين.

لكن المفارقة لا تتوقف هنا. إيران، التي يقوم جزء أساسي من خطابها السياسي والديني على الدفاع عن «أهل البيت»، تجد نفسها في مواجهة دولة عربية يحكمها الهاشميون، وهم الأسرة التي تنتسب في نسبها الهاشمي إلى النبي محمد، مروراً بالإمام علي وفاطمة الزهراء، وعبوراً بالإمام الحسن بن علي.
فالملك عبدالله الثاني هو من الأسرة الهاشمية، ويُقدَّم رسمياً بوصفه من نسل النبي محمد، فيما ينتمي ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، بطبيعة الحال، إلى السلالة الهاشمية نفسها.

وهنا تبرز المفارقة السياسية بوضوح: كيف يمكن لخطاب يرفع الدفاع عن «أهل البيت» عنواناً مركزياً أن يتعامل مع الدولة الهاشمية الأردنية كهدف عسكري، لمجرد أنّها تستضيف قوات أميركية، وهي، على جميع الأحوال، الدولة الوحيدة التي يحكمها الهاشميون.

ليس المطلوب أن يتفق أحد مع الأردن في كل سياساته، ولا أن يُمنع نقد علاقاته مع الولايات المتحدة أو موقفه من الملفات الإقليمية. الخلاف السياسي مشروع، والتحالفات الدولية قابلة للنقاش. لكن بين الاختلاف السياسي وبين تحويل دولة عربية مستقرة إلى ساحة للصراع مسافة كبيرة.

الأردن ليس معنياً بأن يكون صندوق بريد عسكرياً بين طهران وواشنطن، ولا ينبغي أن يدفع الأردنيون ثمن صراع لم يختاروه. وفي منطقة اعتادت أن تتحول فيها الدول إلى ساحات للآخرين، ربما يكون أقل ما يمكن قوله هذه المرة: دعوا الأردن وشأنه. هذا بلد نحبه ونحب شعبه.