الجيش لا يحتاج الى ضمانة سياسية!

الجيش لا يحتاج الى ضمانة سياسية!

  • ٠٧ أيلول ٢٠٢٦
  • ميراي ملكي

الجيش لا يحتاج إلى ضمانة سياسية.. بل إلى قرار الدولة

ads

في ١٩ آب ٢٠٢٦، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري، أمام وفد مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان: إذا أُلزمت إسرائيل بوقف الحرب والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب، فإنّه «يضمن انتشاراً فورياً للجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني»، وأن يكون الجيش القوة الوحيدة الحافظة للأمن، والسلاح حصراً بيده. والكلام موثق في بيان رسمي صادر عن مجلس النواب.

سياسياً، يمكن قراءة هذا الموقف باعتباره ضمانة سياسية يقدمها بري للأطراف الخارجية بأنّ البيئة اللبنانية ستكون مؤاتيه لانتشار الجيش. لكن قانونياً، هنا تحديداً يبدأ السؤال الأهم: مَن يضمن للجيش اللبناني دخول أرض لبنانية، إذا كانت هذه الأرض تخضع لسيادة الدولة اللبنانية؟

الدستور لا يضع القوات المسلحة تحت وصاية أي مرجعية سياسية خارج السلطة التنفيذية. فالمادة ٤٩ تنصّ على أنّ رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنها تخضع لسلطة مجلس الوزراء. والمادة ٦٥ تحسم المسألة بصورة أوضح، إذ تنصّ على أنّ مجلس الوزراء هو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة، وأنّه يشرف على أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية بلا استثناء.

من هنا، لا تكمن الإشكالية القانونية في شخص الرئيس بري، ولا في دوره السياسي أو التفاوضي، بل في مفهوم الضمانة نفسه. فإذا كان المقصود أنّ بري يضمن سياسياً التزام القوى الموجودة على الأرض بعدم عرقلة انتشار الجيش، فهذا مفهوم سياسي يمكن تفسيره في إطار الواقع اللبناني. أما إذا أصبح انتشار الجيش مرتبطاً بضمانة شخصية أو سياسية، فإنّ السؤال يصبح مشروعاً: أين تنتهي الدولة وأين تبدأ موازين القوى السياسية؟

أما الانسحاب الإسرائيلي فمسألة أخرى. فهو شرط ميداني وسياسي يسمح للجيش باستكمال انتشاره وصولاً إلى الحدود الدولية. لكن بعد تحقق الانسحاب، لا يفترض أن تكون هناك حاجة إلى «ضامن» لبناني كي تمارس الدولة سلطتها على أرضها.

فالجيش اللبناني لا يحتاج إلى إذن من أي طرف لبناني كي ينتشر في أرض لبنانية، ولا يستمد شرعيته من توافق سياسي خارج المؤسسات. شرعيته مستمدة من الدولة، وقراره يخضع للسلطة الدستورية المختصة. إذا كان بري يقدّم ضمانة سياسية للخارج، فمن يضمن للدولة أنّ قرارها هو الذي يُنفّذ؟

المسألة هنا ليست إلغاء الدور السياسي لرئيس مجلس النواب، ولا تجاهل دوره في أي تفاهمات قد تساهم في تثبيت وقف النار أو تأمين الانسحاب الإسرائيلي. المطلوب فقط الفصل بين الضمانة السياسية والمرجعية الدستورية. فالسياسة قد تحتاج إلى ضمانات، أما الدولة فلا يفترض أن تحتاج إلى كفيل كي تمارس سيادتها. وفي النهاية، النقاش يجب ألا يدور حول مَن يضمن انتشار الجيش؟ بل: أنّ قرار انتشار الجيش هو قرار الدولة اللبنانية، ولا  يحتاج إلى ضمانات من خارج مؤسساتها. لأنّ استعادة السيادة لا تكتمل بمجرد دخول الجيش إلى الجنوب؛ بل عندما يكون دخوله وتنفيذ مهمته قراراً للدولة وحدها.

ads
ads