«ربطنا ذيل حصاننا».. إردوغان يستعد لمواجهة إسرائيل في سوريا

«ربطنا ذيل حصاننا».. إردوغان يستعد لمواجهة إسرائيل في سوريا

  • ٠٥ أيلول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

المواجهة بدأت بالفعل، لكن أدواتها حتى الآن سياسية وأمنية وعسكرية غير مباشرة. يكفي أن يربط أحدهم ذيل حصانه وينطلق إلى حيث لا عودة.

ads

يصعب أحياناً فهم رجب طيب إردوغان من دون العودة إلى التاريخ. فالرجل لا يتحدث عن تركيا كدولة عادية، ولا يحب أن يفصل حاضرها عن ذاكرتها الإمبراطورية والعسكرية، ولذلك تحمل بعض عباراته أكثر مما يبدو في ظاهرها.

في «ملاذكرت»، حيث يحتفل الأتراك كل سنة بذكرى المعركة التي فتحت للسلاجقة التُك طريقهم إلى الأناضول عام ١٠٧١، قال إردوغان عبارة لافتة: «ربطنا ذيل حصاننا» (Atımızın kuyruğunu bağladık). هذا المثل التركي القديم يقال عندما يستعد المرء للإنطلاق في حملة ولا ينوي العودة قبل إتمامها. وقد شرح إردوغان بنفسه أنّ ربط ذيل الحصان يعني أنّ صاحبه اتخذ طريقه ولن يعود مهما كانت الظروف.

لكن إردوغان لم يقل هذه العبارة في فراغ سياسي. فقد جاءت في وقت تتجه فيه تركيا إلى تثبيت حضورها في سوريا، وفي وقت بدأت فيه إسرائيل تنظر بقلق متزايد إلى هذا الحضور. ولذلك يصعب ألا يتساءل المرء: هل ربطت تركيا ذيل حصانها في سوريا أيضاً؟

منذ سقوط نظام بشار الأسد، تحولت أنقرة من دولة تراقب سوريا من خلف حدودها إلى أحد أهم اللاعبين في مستقبلها. تركيا تريد سوريا موحدة ومستقرة، لكنها تريد كذلك أن تكون لها فيها مكانة أمنية وسياسية واقتصادية لا يمكن تجاوزها. وهي تنظر إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، ولا سيما الجيش والأجهزة الأمنية، باعتبارها جزءاً من ترتيبات أمنها القومي.

إسرائيل، في المقابل، لا تبدو مستعدة للنظر إلى هذا التحول بالعين التركية نفسها.فبالنسبة إلى تل أبيب، سقوط الأسد لم يُنهِ المشكلة السورية، بل فتح سؤالاً جديداً: كيف ستكون سوريا إذا أصبحت أقرب إلى تركيا؟ وهل يمكن أن تتحول، بعد سنوات من إعادة البناء والتسليح، إلى دولة تمتلك قدرة عسكرية أكبر وتستضيف وجوداً تركياً دائماً؟

وهنا بدأت المصالح التركية والإسرائيلية تتصادم بصورة مباشرة. هذا وقد جاءت الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور في شمال غربي سوريا في ١٨ آب لتكشف حجم المشكلة. إسرائيل قصفت القاعدة بعدما رأت أنّ وجوداً عسكرياً تركياً محتملاً فيها يمكن أن يهدد حرية عملها في سوريا. ولم تكن الرسالة موجهة إلى دمشق وحدها، بل إلى أنقرة أيضاً وتقول إنّ هناك حدود للدور التركي الذي تستطيع إسرائيل أن تقبله في سوريا.

وهذه تحديداً هي النقطة التي يصعب على إردوغان ابتلاعها.فتركيا قد تفاوض الولايات المتحدة وروسيا، وقد تختلف مع دمشق أو تتفق معها، لكنها لا تريد أن تتحول إسرائيل إلى الدولة التي ترسم لها حدود نفوذها في دولة تعتبرها أنقرة جزءاً من مجال أمنها القومي.لذلك يبدو أنّ الخلاف لم يعد حول قاعدة عسكرية هنا أو ضربة جوية هناك، بل حول سؤال أكبر بكثير: من يملك حق رسم مستقبل سوريا؟

إسرائيل تريد سوريا لا تشكل تهديداً عسكرياً لها، وتركيا تريد سوريا قوية وموحدة ولكن مرتبطة بها استراتيجياً. وبين الرؤيتين مساحة واسعة من المصالح المتعارضة.

واللافت أنّ الولايات المتحدة نفسها بدأت تتعامل مع الخلاف باعتباره أكثر من مجرد خلاف سياسي. فبعد ضربة أبو الظهور، تحرك المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك لإنشاء آلية لفض الاشتباك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، في محاولة لمنع حادث عسكري جديد من التحول إلى مواجهة أوسع.

وهنا تحديداً تكتسب عبارة إردوغان في «ملاذكرت» معناها السياسي. إذ لا يعني «ربط ذيل الحصان» أنّ تركيا قررت الذهاب إلى حرب مع إسرائيل. فهذا استنتاج مبالغ فيه، ولا يبدو أنّ أنقرة أو تل أبيب تريدان مواجهة مباشرة ستكون كلفتها كبيرة على الطرفين.

لكن الحرب ليست الشكل الوحيد للمواجهة.يمكن لتركيا أن تزيد دعمها العسكري والأمني لدمشق، وأن تساعد في إعادة بناء الجيش السوري، وأن تعزز وجودها في القواعد والمنشآت العسكرية السورية، وأن ترفض عملياً أي خطوط حمراء إسرائيلية تحاول فرضها على مستقبل سوريا.

ويمكن لإسرائيل، في المقابل، أن تستخدم سلاحها الجوي لمنع هذا المسار من الوصول إلى مرحلة يصبح فيها أمراً واقعاً.

وهكذا تصبح سوريا ساحة مواجهة بين مشروعين إقليميين، حتى لو لم تتحول المواجهة إلى حرب مباشرة.

المشكلة بالنسبة إلى إردوغان أنّ التراجع في هذه المرحلة سيكون مكلفاً سياسياً واستراتيجياً. فقد استثمرت تركيا سنوات طويلة في بناء نفوذها داخل سوريا، وبعد سقوط الأسد أصبحت أمام فرصة تاريخية لترجمة هذا النفوذ إلى شراكة طويلة الأمد مع دمشق.

ولهذا، فإنّ السماح لإسرائيل بتحديد حجم الوجود التركي أو نوعه في سوريا سيكون، من وجهة نظر أنقرة، أكثر من مجرد تنازل تكتيكي. سيكون اعترافاً بأنّ قوة إقليمية أخرى تستطيع رسم حدود الدور التركي.وهذا ما لا يبدو أنّ إردوغان مستعد للقبول به.

لذلك قد يكون من الخطأ انتظار حرب تركية - إسرائيلية لكي نقول إنّ المواجهة بدأت. المواجهة بدأت بالفعل، لكن أدواتها حتى الآن سياسية وأمنية وعسكرية غير مباشرة. وما يتغير اليوم هو أنّ تركيا لم تعد تكتفي بالاعتراض على التحركات الإسرائيلية في سوريا، بل تبدو مستعدة لتحديها على الأرض عبر تثبيت حضورها ودعم حليفها في دمشق.

قد لا تريد تركيا حرباً مع إسرائيل، لكنها لا تبدو مستعدة أيضاً للتراجع أمامها.وفي الشرق الأوسط، أحياناً لا تحتاج الدول إلى إعلان الحرب كي تبدأ المواجهة.يكفي أن يربط أحدهم ذيل حصانه وينطلق إلى حيث لا عودة.

ads
ads