سوق الناس «الشيك» وسوق البقاع
سوق الناس «الشيك» وسوق البقاع
السعر المرتفع لا يعني بالضرورة أنّك تحصل على شيء أفضل. وأحياناُ، كلما ابتعدت عن بيروت، اكتشفت أنّ الأشياء أبسط، والتجارة أكثر واقعية.
من يجرّب التسوق خارج بيروت وجبل لبنان، يكتشف بسرعة أنّ لبنان ليس سوقاً واحدة. الفارق في الأسعار ليس هامشياً دائماً، بل قد يكون كبيراً بما يكفي لأن يجعل المرء يتساءل: كيف يمكن للسلعة نفسها أن يكون لها أكثر من سعر في بلد صغير إلى هذا الحد؟
ملاقط السيارة أرخص في البقاع. الخزائن الخشبية الجاهزة أرخص. الألبسة أيضاً. الأدوية من الصيدليات قد تكون أرخص بفارق مهم، فحتى بعض المواد التي يفترض المرء أنّها موحّدة السعر، أو أن الفوارق فيها يجب أن تكون محدودة، تجد لها أسعاراً مختلفة بين منطقة وأخرى.
السؤال ليس فقط: لماذا البقاع أرخص؟ بل لماذا بيروت وجبل لبنان أغلى؟ أحياناً تشعر فعلاً أنّ هناك سوقين في لبنان، بل أكثر من سوق. سوق المدينة والساحل، وسوق الأطراف. وفي كثير من القطاعات، يمكن أن نلاحظ أيضاً فارقاً بين الأسواق في المناطق ذات الغالبية المسلمة والأسواق الموجودة في المناطق ذات الغالبية المسيحية.
طبعاً، لا يعني ذلك أنّ الانتماء الطائفي هو الذي يحدد السعر. هناك عوامل كثيرة تدخل في الموضوع: الإيجارات، كلفة التشغيل، حجم المنافسة، القدرة الشرائية، طبيعة الزبائن، وحجم السوق. لكن النتيجة التي يلمسها المستهلك تبقى واحدة: في بعض المناطق، تدفع أكثر بكثير مقابل السلعة نفسها.
وهنا تظهر مشكلة أعمق تتعلق بثقافة الاستهلاك في المدن والسواحل. فنحن لا ندفع دائماً ثمن السلعة فقط، بل ندفع ثمن المكان الذي تُباع فيه. ندفع ثمن المحل، والواجهة، والديكور، والإيجار، والموقف، وأحياناً ثمن الصورة الاجتماعية للمكان لنكون «شيك». ونشتري من المحل لأنّه موجود في منطقة معينة، ونقبل بسعره لأنّ السعر المرتفع أصبح جزءًا من «هيبة» المكان.
ثم نعود إلى بيوتنا ونشتكي من الغلاء.
في المقابل، هناك في البقاع نوع من الواقعية التجارية تستحق التقدير. التاجر يريد أن يبيع، والزبون يريد أن يشتري، والسعر يبقى ضمن قدرة الناس. البقاعي يعرف قيمة المال، ويعرف أنّ فرق عشرة أو عشرين دولاراً ليس تفصيلاً عندما تكون الحياة أصلاً مكلفة. لذلك تجد في كثير من الأحيان اهتماماً أكبر بالسعر، وبالمنافسة، وبأن تكون السلعة ذات قيمة فعلية مقابل ما يدفعه الزبون.
وهنا أقولها بصراحة، وأنا مسيحي: من الآن وصاعداً، سأحاول قدر الإمكان أن أشتري من عند المسلمين عندما أجد السلعة نفسها بسعر أفضل وخدمة جيدة. ليس لأنّ البائع مسلم، ولا لأنّني أريد تحويل المسألة إلى قضية طائفية، بل لأنّني أعتقد أنّ أفضل رد على هذه الفروقات هو أن يصبح المستهلك أكثر وعياً وأقل ارتباطاً بالحواجز الاجتماعية والجغرافية التي اعتاد عليها.
المشكلة أنّنا في لبنان نتصرف أحياناً وكأنّ الشراء من «منطقتنا» نوع من الواجب الاجتماعي، حتى لو دفعنا ثمن ذلك من جيوبنا. ننسى أنّ السوق لا يجب أن يكون طائفياً، وأنّ المستهلك ليس مطالباً بأن يدفع أكثر فقط لأن المحل يقع في منطقة ينتمي إليها اجتماعياً أو طائفياً.
والبقاعيون يستحقون، في هذا السياق، كلمة إيجابية. لقد ظلمنا البقاع كثيراً عندما اختصرناه في صور نمطية عن الحرمان والإهمال والسياسة. هناك في البقاع اقتصاد حقيقي، وتجارة حقيقية، وناس يعرفون كيف يحسبون الليرة وكيف يفاوضون وكيف يختارون. وربما لأنّهم عاشوا طويلاً بعيداً عن ترف المدن، أصبحوا أقل استعداداً لدفع المال مقابل المظاهر.
المادية في المدن والسواحل ليست مجرد امتلاك أشياء أكثر. إنّها أن تصبح قيمة الشيء مرتبطة باسمه ومكانه ومظهره، لا بحاجتك إليه وجودته وسعره. نشتري الاسم قبل المنتج، والموقع قبل السلعة، والمظهر قبل الحاجة. ثم نستغرب لماذا أصبحت الحياة في لبنان مكلفة إلى هذا الحد.
لبنان صغير جداً ليكون فيه اقتصادان، لكنه كبير بما يكفي ليكون فيه أكثر من لبنان: لبنان المدينة والساحل، ولبنان الأطراف. لبنان الذي يدفع ثمن الواجهة و«الشياكة»، ولبنان الذي يدفع ثمن السلعة. لبنان الذي أصبح الاستهلاك فيه جزءًا من الصورة الاجتماعية، ولبنان الذي لا يزال ينظر إلى الأشياء من زاوية الحاجة والقيمة.
وربما يكون الدرس الأبسط هو أنّ السعر المرتفع لا يعني بالضرورة أنّك تحصل على شيء أفضل. وأحياناُ، كلما ابتعدت عن بيروت، اكتشفت أنّ الأشياء أبسط، والتجارة أكثر واقعية، والسعر أقرب إلى القيمة الحقيقية.

