حزب الله لن يسلم السلاح
حزب الله لن يسلم السلاح
انتظار موافقة الحزب على تسليم سلاحه مجرد رهان يتناقض مع عقيدته ومسيرته و خطابه.
منذ تأسيسه لم يقدم حزب الله نفسه كحزب سياسي تقليدي دخل الحياة العامة ثم امتلك جناحاً عسكرياً، بل على العكس تماماً. فقد ولد تنظيماً عقائدياً مسلحاً يقوم فكره على مبدأ المقاومة والالتزام بولاية الفقيه، ثم أنشأ لاحقاً جناحه السياسي لمواكبة حضوره الشعبي والمؤسساتي داخل الدولة اللبنانية، وليس ليكون بديلاً عن مشروعه العسكري أو العقائدي. لذلك فإن كل من يقرأ تاريخ الحزب وفكره يدرك أن السلاح ليس مجرد وسيلة لديه، بل هو جزء من هويته وسبب وجوده.
ومع مبايعة حزب الله للسيد مجتبى خامنئي مرجعاً له، وتسليم أمره للولي الفقيه الجديد، وقبول السيد مجتبى لهذه البيعة، يصبح الحديث عن أي تحول جذري في عقيدة الحزب أمراً بعيداً عن الواقع. فالعلاقة التي تربط الحزب بقيادته الدينية ليست علاقة سياسية قابلة للتفاوض أو المساومة، بل علاقة عقائدية يعتبرها الحزب جزءاً من التزامه الديني، وهو ما ينعكس مباشرة على موقفه من السلاح.
ومن يريد أن يفهم حقيقة حزب الله بعيداً عن التحليلات الإعلامية أو الأمنيات السياسية، يكفيه أن يعود إلى كتابات الشيخ نعيم قاسم التي تشرح فلسفة الحزب ونشأته ورؤيته. هناك يتضح أن المقاومة ليست مشروعاً مرحلياً، بل هي عقيدة مستمرة، وأن السلاح ليس تفصيلاً يمكن الاستغناء عنه عندما تتغير الظروف، وإنما عنصر أساسي في هوية التنظيم.
ولهذا السبب، فإن التمييز بين الجناح السياسي والجناح العسكري داخل حزب الله يبقى، في نظر الحزب نفسه، تمييزاً لا وجود له عملياً. فالجميع يعمل ضمن منظومة واحدة تخدم العقيدة نفسها، ويؤدي أدواراً مختلفة لتحقيق الهدف ذاته. السياسي يخدم المشروع كما يخدمه العسكري، والمؤسسة الاجتماعية كما المؤسسة الإعلامية، لأن المرجعية الفكرية واحدة والغاية واحدة.
انطلاقاً من ذلك، يبدو الحديث المتكرر عن مبادرات أو مفاوضات تهدف إلى إقناع حزب الله بتسليم سلاحه حديثاً يدور خارج منطق الحزب نفسه. فمن يفاوض يفترض أن الطرف الآخر يعتبر التنازل خياراً مطروحاً، بينما لا يظهر في أدبيات حزب الله ولا في خطابه ولا في تجربته ما يوحي بأن تسليم السلاح يشكل احتمالاً يمكن مناقشته. لذلك فإن كل جولة جديدة من النقاش حول هذا العنوان تبدو، وفق هذا المنطق، إضاعة للوقت أكثر منها محاولة للوصول إلى نتيجة.
لقد خاض الحزب حروباً وواجه ضغوطاً سياسية وأمنية وعقوبات دولية وحملات داخلية وخارجية، ومع ذلك لم يبدل موقفه من سلاحه. وهذا ما يجعل الاعتقاد بأن الضغوط السياسية وحدها ستقوده إلى التخلي عنه اعتقاداً لا يستند إلى فهم لطبيعة هذا التنظيم ولا إلى عقيدته.
لذلك، فإنّ النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينطلق من فرضية أنّ حزب الله سيوافق يوماً على تسليم سلاحه، لأنّ هذه الفرضية لا تجد لها مكاناً في قاموسه السياسي أو العقائدي. ومن يرى أنّ الحزب يجب أن يبقى كما هو فعليه أن يقبل بهذه الحقيقة، ومن يرى أنّ سلاحه يجب أن ينتهي فعليه أن يدرك أنّ الحزب لن يتخلى عنه طوعاً. وبين هذين الخيارين، تبقى كل المبادرات التي تقوم على انتظار موافقة الحزب على تسليم سلاحه مجرد رهان على أمر لا تؤيده عقيدته ولا مسيرته ولا خطابه، لأنّ حزب الله يعتبر أنّ الدفاع عن سلاحه هو دفاع عن وجوده، وسيقاتل من أجله حتى الرمق الأخير.

