المسألة الديمانية... حين تُصادَر الذاكرة ويُنفى المكان
المسألة الديمانية... حين تُصادَر الذاكرة ويُنفى المكان
فوجئ أبناء الديمان بقرار منع إقامة الاحتفال بعيد مار يوحنا مارون في ساحة البلدة في الأول من شهر آب ، وهو المكان الذي ارتبط بهذه المناسبة في الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة.
وقد جاء القرار بتوجيه من المطران، لكنه مرّ تحت ذرائع تنظيمية وإدارية مختلفة، فيما بقيت النتيجة واحدة: إبعاد الاحتفال عن ساحته التاريخية.
قد يبدو الأمر، في ظاهره، مجرد إجراء تنظيمي. لكن توقيته وسياقه يفرضان أسئلة مشروعة. فالقرار جاء بعد أيام قليلة فقط من موقف عامية الديمان خلال مناسبة تطويب البطريرك الحويك، حين رفعت يافطة قالت بوضوح:
«لن نتخلى عن شبر واحد من أرض الديمان.»
ولم تكن تلك اليافطة موجهة ضد الكنيسة، ولا ضد البطريرك الحويك، بل كانت تعبيرًا عن التمسك بحقوق أبناء الديمان التاريخية في أرضهم.
لذلك، يحق لأبناء البلدة أن يتساءلوا:
هل كان ما جرى مجرد مصادفة إدارية؟
أم أن توقيت القرار يوحي بأنه حمل، إلى جانب مضمونه التنظيمي، رسالةً رمزيةً أرادت أن تقول إن الدفاع عن الأرض ستكون له كلفة، حتى على مستوى الرموز والأمكنة؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى القضية الأعمق، وهي ليست أين يُقام الاحتفال، بل من يملك حق إعادة تعريف المكان ....
من قال إن مهرجانات الصيف والاحتفالات بالأعياد لم يعد مكانها الطبيعي في ساحة الديمان، تحت السنديانة العتيقة التي اختزنت ذاكرة البلدة وأهلها، لينتقل المشهد إلى ما يُعرف بـ«حديقة البطاركة»، وهي جزء من فضاء رمزي يتسع تدريجيًا حول البطريركية، بحيث تصبح الرموز والأمكنة والاحتفالات جزءًا من خطاب السلطة، لا من ذاكرة الناس؟
وهل هو مجرد انتقال من ساحة إلى حديقة؟
أم هو انتقال من فضاء صنعه التاريخ وأعطاه الناس معناه، إلى فضاء تُعيد السلطة تشكيله وفق رموزها، بحيث يصبح المكان نفسه أداة لإنتاج الشرعية وإعادة كتابة الذاكرة؟
أليست هذه هي الآلية التي تعمل بها السلطة دائمًا؟ فهي لا تبدأ بمصادرة الأرض، بل بمصادرة الرموز. ولا تبدأ بتغيير الهوية، بل بتغيير المكان الذي تُولد فيه الهوية وتُصان.
فإذا تبدلت الساحة، تبدلت الذاكرة. وإذا تبدلت الذاكرة، أصبح تبديل الهوية أكثر سهولة.
فلماذا تُغيب ساحة الديمان عن مناسباتها التاريخية؟
ولماذا يُستبدل المكان الذي يجسد ذاكرة الناس بمكان يحمل، في رمزيته، هوية المؤسسة؟
وهل المطلوب، مع مرور الوقت، أن يعتاد أبناء الديمان على أن رموزهم لم تعد تنبع من ساحاتهم، بل من فضاءات أخرى تُرسم فيها العلاقة بين السلطة والمجتمع من طرف واحد؟
أيها الديمانيون... انتبهوا جيدًا.
فالهوية لا تُنتزع دفعة واحدة، بل تُسحب بهدوء. تبدأ بتغيير مكان احتفال، ثم تتغير الرواية، ثم ينسى الجيل الجديد أين كانت البداية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لبلدة ليس أن تخسر احتفالًا، بل أن تخسر العلاقة بين تاريخها ومكانها.
وحين تصبح «حديقة البطاركة» المرجع الرمزي للاحتفالات، فيما تغيب ساحة الديمان عن الوعي العام، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا:
هل المقصود مجرد تنظيم الاحتفالات؟
أم المقصود، في الوقت نفسه، تكريس مركزية السلطة على حساب مركزية المكان والناس؟
إن معركة الديمان اليوم ليست على موقع احتفال، بل على معنى المكان.
فالمكان ليس حجرًا ولا شجرة فقط؛ إنه الذاكرة، والهوية، والرواية.
وأخشى أن يكون ما يجري اليوم مجرد حلقة في مسار طويل، هدفه أن تصبح الديمان، في الوعي الجماعي، مجرد أرض تتبع لسلطة أكبر، لا كيانًا تاريخيًا له شخصيته وخصوصيته وذاكرته. وعندها لن يكون نقل الاحتفالات سوى تفصيل صغير في مشروع أكبر لتغيير معنى الديمان نفسها.
أيها الديمانيون...
لا تستهينوا بالرموز.
فالسلطة التي تنجح في نقل الذاكرة من ساحة إلى أخرى، تستطيع مع الزمن أن تنقل الانتماء نفسه.
ومن يتنازل عن رموزه اليوم، قد يستيقظ غدًا ليكتشف أنه لم يخسر ساحة فحسب، بل خسر حقه في أن يروي تاريخه بنفسه.
لهذا، فإن الدفاع عن ساحة الديمان ليس حنينًا إلى الماضي، ولا اعتراضًا على مكان آخر، بل دفاع عن حق الديمان في أن تبقى مرجعًا لذاتها، وأن تبقى ذاكرتها في ساحتها، لا في أي فضاء آخر مهما كانت صفته أو الجهة التي تشرف عليه.
فالدفاع عن ساحة الديمان هو دفاع عن الديمان نفسها، وعن تاريخها، وحقها في أن تبقى هي المرجع الرمزي لذاتها، لا مجرد هامش في فضاء رمزي تتسع حدوده يومًا بعد يوم.
لأن الأمم والبلدات لا تُمحى عندما تُهدم بيوتها، بل عندما تُمحى ذاكرتها، ويصبح أبناؤها غرباء عن أمكنتهم، ويقبلون، بصمت، أن تُكتب هويتهم في مكان آخر.

