في ذكرى كميل شمعون.. عندما تخسر الرئاسة وتربح الزعامة

في ذكرى كميل شمعون.. عندما تخسر الرئاسة وتربح الزعامة

  • ٠٦ آب ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

لم تكن الرئاسة ذروة مسيرته السياسية ولا نهايتها، بل محطة فيها، ولذلك ظل لاعباً أساسياً في الحياة السياسية، ولم يحتَج إلى القصر كي يبقى شمعون.

ads

غدًا، في ٧ آب، تحلّ ذكرى وفاة كميل شمعون. ولعلّ أفضل طريقة لاستذكار شمعون لا تقتصر على تذكّره بوصفه كان رئيسًا للجمهورية بين عامي١٩٥٢ و ١٩٥٨، بل تمتدّ إلى استحضار ما فعله بعد انتهاء ولايته الرئاسية.

ففي لبنان، يصل الرجل إلى بعبدا، يصبح «فخامة الرئيس»، ثم تنتهي الولاية، فيتحول تدريجياً إلى «الرئيس السابق» الذي لا يُرى إلا في المناسبات البروتوكولية. أما شمعون، فكان استثناءً نادراً. خسر القصر، لكنه لم يخسر الزعامة.

وُلد عام ١٩٠٠ في دير القمر، في لبنان الذي كان لا يزال جزءاً من السلطنة العثمانية. درس القانون، ودخل السياسة والصحافة، وانتُخب نائباً عام ١٩٣٤،  قبل أن يصبح أحد رجالات الاستقلال ثم رئيساً للجمهورية. كان ابن مرحلة تشكّل فيها لبنان نفسه، ولذلك حمل معه إيماناً بلبنان المستقل، المنفتح على الغرب، والمنتمي إلى محيطه العربي من دون أن يذوب فيه.

في عهده، عرف لبنان مرحلة من الازدهار الاقتصادي والانفتاح. لكن رئاسته انتهت بأزمة ١٩٥٨، حين تداخل الصراع اللبناني مع صعود الناصرية والحرب الباردة، ووصول القوات الأميركية إلى بيروت بناء على طلبه. وكان شمعون قد أراد التمديد لولايته، فانتهت رئاسته بانتخاب فؤاد شهاب.

هنا كان يمكن أن تنتهي القصة. لكنها، بالنسبة إلى شمعون، بدأت من جديد. فبعد خروجه من بعبدا، أسس حزب «الوطنيين الأحرار»، وبقي نائباً وزعيماً وواحداً من أبرز وجوه الحياة السياسية اللبنانية حتى وفاته عام ١٩٨٧.  ومع اندلاع الحرب، أصبح أحد أقطاب «الجبهة اللبنانية».

وهنا تكمن المفارقة: الرجل الذي خسر رئاسة الجمهورية لم يخسر موقعه السياسي. لم يعد رئيساً، لكنه بقي زعيماً. لم يعد في القصر، لكنه ظل لاعباً في الحياة السياسية. لم يحتَج شمعون إلى القصر كي يبقى شمعون.

وهذا ما يجعل مقارنته بالرؤساء الذين جاؤوا بعده أمراً لافتاً. فؤاد شهاب خرج من الرئاسة بصورة رجل الدولة والمؤسسات والمخابرات، لكنه لم يحوّل موقعه السابق إلى زعامة حزبية أو ماكينة سياسية. أما شارل حلو وإلياس سركيس، ثم لاحقاً إلياس الهراوي، فبقي حضورهم بعد الرئاسة هامشياً.

إميل لحود، بقي اسمه مرتبطاً بالمرحلة التي حكم فيها، وبخياراتها وتحالفاتها، لكنه لم ينجح بعد خروجه من بعبدا في بناء زعامة سياسية مستقلة عن تلك المرحلة. فيما اختار ميشال سليمان طريقاً مختلفاً. خرج من بعبدا ليبقى في موقع الرئيس السابق، مدافعاً عن الدولة والحياد وحصرية السلاح، من دون أن ينجح بتحويل تجربته الرئاسية إلى حزب أو مشروع زعامة شعبية.

بينما ميشال عون فحالة أكثر تعقيداً. فهو لم يكن بحاجة إلى الرئاسة كي يصبح زعيماً. كان زعيماً قبل أن يصل إلى بعبدا. لكن تجربته الرئاسية تركت أثقالها على هذه الزعامة، من التحالفات التي أوصلته إلى القصر، وفي مقدمها علاقته بحزب الله، إلى حصيلة السنوات الست التي حكم فيها البلاد.

غير أنّ  شمعون،  قد امتلك شيئاً نادراً في السياسة اللبنانية: القدرة على تحويل الخسارة إلى موقع جديد. خرج من بعبدا، فأسس حزباً. خسر الرئاسة، فحافظ على الزعامة. انتهت الولاية، ولم تنتهِ الحياة السياسية.

ولهذا، فإنّ ذكرى وفاته ليست فقط مناسبة لاستعادة سيرة رئيس سابق، بل مناسبة للتوقف عند سؤال أكبر: ماذا يبقى من السياسي عندما يغادر القصر؟

 

بعض الرؤساء بقوا أسماء في الذاكرة. بعضهم بقيت مواقفهم. والبعض الآخر بقيت تحالفاتهم. أما كميل شمعون، فبقي زعِيماً. كان من أولئك السياسيين النادرين جداً الذين لم تنتهِ حياتهم السياسية بانتهاء ولايتهم.

في ٧ آب، نستذكر الرجل الذي خسر رئاسة الجمهورية، لكنه بقي حتى وفاته أحد الأرقام الصعبة في السياسة اللبنانية.  لأنّ الفرق كبير بين أن تكون رئيساً للجمهورية، وأن تكون زعيماً يستطيع أن يعيش خارج قصرها. وهذا أمر لم يقدر عليه إلا كميل شمعون، فقط لا غير.

ads
ads