الحكمة والرياضي..«يا نعمة الطائفية تمددي»
الحكمة والرياضي..«يا نعمة الطائفية تمددي»
في لبنان، الجمهور لا يأتي فقط لمشاهدة اللاعبين. يأتي لأنّ هناك «نحن» و«هم»، ولأنّ القميص الذي يرتديه الفريق يحمل في ذاكرة الجمهور شيئاً أكبر من اسم النادي.
على عكس كرة السلة، ثمة رياضات كثيرة في لبنان لا يتابعها أحد، ولا يتم التعامل مع فوز فريق فيها كأنّه انتصار جماعي. والسبب ليس أنّ كرة السلة أجمل من سائر الرياضات، بل لأنّها نجحت في أن تكون أكثر من رياضة.
الحكمة والرياضي لا يلعبان وحدهما هذه الأيام. وراء كل منهما جمهور، وذاكرة، وطائفة، وسياسة، ومنطقة، وحزب، وتاريخ طويل من المنافسة. ولذلك، حين يتواجهان، لا يتابع اللبنانيون فقط من سيسجل أكثر ومن سيرفع الكأس، بل يتابع كثير منهم فريقاً يشعر أنّه يمثله.
فلنسأل، إذاً، سؤالاً غير رياضي: لو كان الحكمة والرياضي مجرد ناديين لكرة السلة، بلا أي حمولة سياسية أو طائفية أو مناطقية، فكم لبنانياً كان سيهتم بمبارياتهما؟
الجواب، على الأرجح، قليلون.
وهذا ليس انتقاصاً من كرة السلة اللبنانية، بل اعتراف بحقيقة لبنانية أكبر منها. نحن لا نتابع الأشياء دائماً بسبب ما هي عليه، بل بسبب ما تمثله لنا.
في بلد آخر، قد تكون كرة السلة رياضة جماهيرية لأنّ الناس يحبون اللعبة نفسها. أما في لبنان، فالجمهور لا يأتي فقط لمشاهدة اللاعبين. يأتي لأنّ هناك «نحن» و«هم»، ولأنّ القميص الذي يرتديه الفريق يحمل في ذاكرة الجمهور شيئاً أكبر من اسم النادي.
الحكمة ليس مجرد حكمة، والرياضي ليس مجرد رياضي. الأول مسيحي والثاني مسلم. الأمر بهذه البساطة. الأول أخذ جزءاً كبيراً من رمزيته وشهرته لأنّه كان متنفساً مسيحياً في مواجهة الاحتلال السوري للبنان، وفي مواجهة واقع سياسي شعر فيه المسيحيون بتراجع دورهم السياسي. أما الثاني، فجسّد، في الذاكرة السياسية اللبنانية، صعود النفوذ الإسلامي في مرحلة ما بعد «اتفاق الطائف». الأمر شديد البساطة والوضوح أيضاً.
ولذلك، عندما يلتقي الفريقان، لا يذهب الجمهور لمشاهدة كرة تُرمى في سلة، بل يذهب ليرى فريقه ينتصر على الفريق الآخر، بما يمثله الآخر في مخيلته. وهنا تحديداً صنعت السياسة والطائفية ما عجزت كرة السلة وحدها عن صنعه: صنعت جمهوراً.
فالرياضة تحتاج إلى جمهور، والجمهور يحتاج إلى سبب يدفعه إلى الاهتمام. قد يكون السبب حب اللعبة، أو الانتماء إلى النادي، أو النجم، أو المال والشهرة. ولكن بالنسبة إلى معظمنا هناك سبب إضافي قوي جداً: الهوية.
حين يصبح النادي جزءاً من هوية جماعة، تصبح المباراة حدثاً. وحين تصبح المباراة حدثاً، يصبح الاستثمار فيها مربحاً، ويصبح النادي قادراً على استقطاب لاعبين أفضل، وتصبح اللعبة أكثر احترافاً، وتكبر البطولة مع كبر الجمهور.
لهذا لا يمكن النظر إلى تسييس كرة السلة اللبنانية باعتباره ظاهرة سلبية. نعم، أنتج أحياناً بعض الشغب البسيط، لكنه أنتج أيضاً شيئاً آخر، فقد جعل لعبة صغيرة في بلد صغير قضية جماهيرية كبرى.
فاللبناني الذي لا يعرف شيئاً عن كرة السلة قد يعرف جيداً من يشجع وضد من يكون. وقد لا يعرف أسماء الخطط التكتيكية، لكنه يعرف أنّ فوز الحكمة يعني له شيئاً، أو أنّ فوز الرياضي يعني له شيئاً آخر.
وهنا لا يعود مهماً أن تكون خبيراً بالرياضة، يكفي أن تحمل انتماءً. ولذلك، فإنّ أكثر ما يرفع قيمة المباراة ليس دائماً مستواها الفني، بل مقدار ما يستطيع الجمهور أن يسقطه عليها من معانٍ. قد تكون مباراة عادية في الملعب، لكنها ليست عادية في رأس المشجع. وقد تكون مجرد أربعين دقيقة للاعبين، لكنها بالنسبة إلى الجمهور امتداد لعقود من الذاكرة والمنافسة والانتماء.
وهذه هي العبقرية اللبنانية... نحن قادرون على تطييف وتسييس كل شيء، وبذلك قادرون أيضاً على تحويل أي شيء إلى قضية.
ولهذا، فإنّ مطالبة بعض التفهة برياضة «منزوعة السياسة والطائفية» تبدو جميلة أخلاقياً، لكنها لا تجيب عن سؤال بسيط: ماذا يبقى من اهتمام الناس بها؟
أما أن نطلب من اللبناني أن يدخل الملعب ويترك هويته عند الباب، فهذا ببساطة لا يشبه لبنان. في بلدنا، نحن نشجع الفريق الذي يشبهنا، الفريق الذي يشكل امتداداً لهويتنا الطائفية والحزبية والمناطقية.
وهذه هي النقطة التي تجعل مباراة بين الحكمة والرياضي أكبر من مباراة على بطولة لبنان. فلو كان الأمر متعلقاً بالرياضة وحدها، لكان الجمهور أقل بكثير، ولربما بقيت كرة السلة شأناً يخص اللاعبين والمدربين وبعض المتخصصين.
ولهذا، حين تنطلق المباراة الأخيرة، سيجلس كثيرون أمام الشاشات، وسيصرخ آخرون في المدرجات، وسيختلفون على الحكم، وسيتوترون مع كل هجمة وكل ثلاثية. وبينما سيقول المعلق إنّ هذه مباراة لتحديد بطل لبنان، سيكون هناك لبنانيون يشاهدون شيئاً آخر تماماً. سيشاهدون أنفسهم، وطوائفهم، وصليبهم، وهلالهم.
يا نِعمة الطائفية، تمددي. فلولاكِ، لكانت كرة السلة مجرد كرة وسلة. أما لأنّنا لبنانيون، فقد جعلنا منها قضية وهوية وانتماء.

