رومانسيّة الانتحار ووَحَم الانكسار

رومانسيّة الانتحار ووَحَم الانكسار

  • ٢٩ حزيران ٢٠٢٦
  • جورج طوق

"من يلاقي من؟"

"لاقونا… لاقونا…"؛ اقتباسٌ حرفيٌّ للشيخ نعيم قاسم، الأمين العام الجديد للحزب المقاوم. مقاومةٌ تدعو جيشًا غريبًا إلى دخول أرضها التي يُفترض أنّها لا تطيق عليها غريبًا! غريبةٌ تلك الدعوة، وغريبٌ أمرُ نعيم؛ فمَن يُلاقي من؟ في تاريخ المقاومات، المقاومة هي من تلاقي المحتلّ لا العكس، وهي من تدعوه إلى الرحيل لا إلى الدخول. وفي تاريخها أيضًا، تتمحور رسالتها حول بذل كلّ شيءٍ في سبيل إخراج المحتلّ: تضحياتٌ وعرقٌ ودموعٌ، دمارٌ ودماءٌ؛ كلُّ شيءٍ مهما علا الثمنُ. فكيف إذا كان الثمنُ يسيراً بقدرِ إلقاء السلاح والانحناء لشرعيّة الدولة التي من أجلها يقاومون؟! لم يحدث أن تحسّسَ مقاومون من جيش وطنهم بقدر ما يفعلون من المحتلّ، وربّما أكثر.

قد لا يكون تصنيف هذه المقاومة الغريبة والعجيبة متاحًا للعُزل اليوم، لكنّ التاريخ لا يكترث بآنيّةِ الظروف.

"رومانسيّة الانتحار"


ليس واضحاً أيَّةُ أفضليّةٍ نمتلكها في المواجهة التفاوضيّة في العاصمة الأميركيّة، أو أيَّةُ نتائجَ مفيدةٍ يمكننا إنجازها هناك؛ لكنّ الواضح كالشمس هو أنّنا، في المواجهة العنفيّة هنا، خاليو الوفاض تمامًا من الأوراق والأفضليّات والإنجاز والنجاة. فالمفاضلة اليتيمة المتاحة لنا، نحن اللبنانيّين، ليست بين رومانسيّة الانتحار وَوَحَمِ الانكسار، إنّما هي في الواقع بين سحقٍ محسومٍ وآخر شبه محسوم؛ وفي أروع السيناريوهات، هي بين ما ثمنه الدماء والدموع والدمار والتراب والكثير الكثير من الماديّات، وبين ما قد يقتصر ثمنه على الساحق ممّا تبقّى لدينا من معنويّات. والأخيرة، منذ زمن، لم تعد وفيرة.

"فخّارة الحمص وجرن الكبّة"


في خِضمّ تأجّج التراشق بين مؤيِّدي غياهب أروقة إسلام آباد ومُحبِّذي قشور طاولة واشنطن حول جدوى وقف إطلاق النار، لم يكلّف أحدٌ منهم نفسه عناء فتح نافذته، إن لم يكن زجاجها قد تحطّم بعد، ليوقن أنّ النار تُطلَقُ بلا هوادة.

الكل يسألون عمّن أوقف النار، وأحدٌ لم يسأل: كيف نوقفها؟ هذا التلهّي في فراغ الهوامش بدلاً من الغوص في الجوهر، هو سمةٌ لبنانيّة متأصّلة بقدر فخّارة الحمص وجرن الكبّة.

"حرب السرديّات وحروب النار"


لا للسلاح… لا للحرب… القرار للدولة... الكلمة للميدان…

شعاراتٌ تتخابط في حرب سرديّاتٍ مستعرةٍ أكثر من فوهات النار. إذا كانت الدولة ممسكةً بقرارها، فلماذا بدأت الحرب؟ وإذا كانت الكلمة فعلاً للميدان، فلماذا لم تنتهِ هذه الحرب بعد؟ الميدان يقول بغير ما ينطق المتشبّثون بكلمته، وقرار الدولة الضحلة يشكو من العميقة فيها. ميليشيا لا تقيم وزناً للحدود والعقل والحياة والهوية، ودولةٌ هِوايتها المزمنة والمفضّلة هي تضييق الأفق في وجه مواطنيها. ولكنّ فسحة الأمل تبقى أضيق بكثير في تقويم هذه الميليشيا منها في تقويم شبه الدولة تلك.

قد تُشتِّت حروبُ السرديّات أنظارنا عمّا تُحرقه حرب النار في ربوعنا، وقد توهمنا أنّ ملاحمَ ما تُسطّر في غير مكان، لكنّها لا تُبدّل من واقع الأمر قيد أنملة؛ فنحن خسرنا في الحرب كلّ معركة، ولم نربح في التفاوض مثقال جولة... فما نحن فاعلون؟