الأونسكو في باريس تحذر.. التراث اللبناني يواجه مخاطر حقيقية
الأونسكو في باريس تحذر.. التراث اللبناني يواجه مخاطر حقيقية
تثبيت دولي بأنّ أزمة لبنان لم تعد قطاعية فقط، بل أزمة ذاكرة وهوية، حيث يربط المجتمع الدولي بين حماية التراث الثقافي وحماية الاستقرار الاجتماعي والإنساني في البلاد.
عقدت منظمة الأونسكو في مقرّها بباريس جلسة إحاطة خاصة بطلب من البعثة الدائمة للبنان، لمناقشة تداعيات الأوضاع الأخيرة على التعليم والإعلام والتراث الثقافي اللبناني. ركّزت الجلسة على خطة طوارئ تهدف إلى حماية هذه القطاعات الحيوية وضمان استمراريتها، وسط تحذيرات من مخاطر تزايد الاعتداءات والأضرار التي طالت مواقع أثرية وتاريخية بارزة في جنوب لبنان.
قدّم مسؤولو اليونسكو ومكتبها الإقليمي في بيروت خلال الجلسة عرضاً مفصّلاً لحجم الأضرار والبرامج القائمة لتعزيز صمود المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية. وشملت المناقشات تأمين حماية عاجلة للمواقع الأثرية، وتعزيز عمليات الرصد والتوثيق الرقمي، وتوفير الدعم الفني والتمويل اللازم لأعمال الترميم والصيانة الطارئة. كما أولت الجلسة اهتماماً خاصاً بحماية الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، إذ يشكل توثيق الانتهاكات جزءاً أساسياً من الحفاظ على الذاكرة الوطنية.
ومن بين المواقع التي أثارت مخاوف جدية خلال الجلسة، موقع شمع الأثري وقلعة الشقيف، وهما من المعالم التاريخية البارزة التي تعكس مراحل تاريخية وعسكرية متعددة امتدت لقرون. كما طالت الأضرار المباني العامة والثقافية في بنت جبيل، بما في ذلك المكتبة العامة والمسجد الكبير، وهما جزء من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمدينة. إضافة إلى ذلك، كانت مدينة صور محور اهتمام خاص، باعتبارها مدينة فينيقية قديمة ومدرجة على قائمة التراث العالمي منذ ١٩٨٤، وتضم مواقع أثرية تشمل المدرج الروماني، والشارع المعمّد، والمقابر الفينيقية والرومانية، إضافة إلى مرفأ تاريخي يُعدّ من الأقدم في حوض البحر المتوسط.
وحذّرت اليونسكو من أنّ الأضرار التي تصيب المواقع الأثرية خلال النزاعات لا تقتصر على خسائر مادية، بل تؤدي إلى محو أجزاء من الذاكرة الجماعية للشعوب، وتستهدف الهوية والتاريخ والروابط التي تجمع المجتمعات بماضيها. في هذا الإطار، ركّزت الجلسة على ضرورة الانتقال من مرحلة التوثيق إلى مرحلة الحماية الفعلية وإعادة التأهيل.
وشهدت الجلسة دعوات لبنانية واضحة، أبرزها ما عبّرت عنه السفيرة هند درويش، للانتقال من مرحلة التضامن إلى التنفيذ الفعلي، وتأمين التمويل اللازم لخطة الطوارئ. كما أكدت الدول الأعضاء استمرار دعم لبنان في حماية إرثه الثقافي والتعليمي والإعلامي، باعتباره جزءاً من التراث الإنساني المشترك.
وفي المحصلة، يؤكد المجتمع الدولي أنّ حماية التراث اللبناني لم تعد قضية ثقافية فحسب، بل جزء من صون الهوية اللبنانية وحفظ الذاكرة التاريخية للأجيال المقبلة، لتبقى معالمه ومواقعه التاريخية شاهدة على الحضارات المتعاقبة التي شكلت لبنان عبر آلاف السنين.
