في وداع ناسك قنوبين .. ناسك «بيوزع» فرح
في وداع ناسك قنوبين .. ناسك «بيوزع» فرح
أحبّ الحياة بشغف فاختار منها القداسة والبساطة، وعندما تعتنق المحبة تفيض على الآخرين دون استئذان.
أن يكون صديقك ناسكاً، فهذا يعني أن تصبح الصداقة نفسها اختباراً مختلفاً لا تشبه أي نوع من الصداقات، إنّها صداقات تبحث عن المعنى، لقد استقبل البارحة دير مار أنطونيوس قزحيا في أروقته المشاركين برتبة دفن الحبيس داريو وكما يقال باللبناني كانوا «إهل الفقيد» ولكن كل واحد من مكان ومن اتجاه مختلف، هكذا بدا الرجل كالسامري الصالح في محبته إبداع شخصي، ليست نظاماً مغلقاً فكل من صادفه على «قارعة الطريق» هو قريبه. لهذا غيابه كان مضيئاً لأنّه تعلّم من معلمه الأول أنّ المحبة كونية. صديق يعيش بعيداً عن العالم، لكنّه يجعلك تشعر أنّه أقرب الناس إلى قلب الإنسان.
مع الأب داريو إسكوبار كان الأمر أكثر فرادة، لأنّه لم يكن ناسكاً قادماً من ذاكرة بعيدة فقط، بل ناسكاً من القرن الواحد والعشرين . يعرف الحياة الحديثة، والسرعة، والقلق، والوحدة التي يعيشها الناس رغم ازدحام العالم. لذلك كان قريباً من زواره بطريقة إنسانية استثنائية، ولا عجب أنّ الكثر تشاركوا معه تفاصيل من حياتهم، ثم لا ينسى يعود يسأل ويطمئن ويهتم بالتفاصيل واللافت أنّه يعرف إيقاع كل شخص، ويسمح لك أن تسمعه من هاتفك فيروز ترتل يا أم الله معلقاً « تدمع عيناي لأحلى صوت يرتل للعذراء». ليس شخصية خارقة أو مثال مستحيل، بل إنسان أحبّ الحياة بشغف فاختار منها القداسة والبساطة، وكما يقال عندما تعتنق المحبة تفيض على الآخرين دون استئذان.
داريو إسكوبار الكولومبي دخل الحياة الكهنوتية في الكنيسة الكاثوليكية. وفي بداياته، درّس اللاهوت وعلم النفس واليونانية الكتابية. وصل إلى لبنان مطلع التسعينيات، تنقّل بين أديرة الرهبانية اللبنانية المارونية وفي مقدّمها دير مار أنطونيوس قزحيا، قبل أن يدخل محبسة سيدة حوقا في وادي قاديشا وفي سنواته الأخيرة انتقل الى محبسة في دير مار أنطونيوس قزحيا حتى مماته..
لكن هذا المسار لم يكن قفزة مفاجئة بل تخففاً بطيئاً من العالم. تنقّل بين تجارب كهنوتية مختلفة، قبل أن يبدأ فصله الأخير، حياة النسك، في تجاويف الصخور الوعرة، محاكياً إرثاً يمتد لقرون من الزمن.
الأب داريو إسكوبار، هو رجل الفرح، فرح التقوى، فرح إنجيلي شفاف، بسيط كمن يشتمّ عطراً جميلاً عند مرور حامله، وهو فرح تشكّل عبر زمن طويل مع المسيح . فيعيش كل لحظة كأنّها مكتملة بذاتها، لا تنتظر نتيجة ولا تتكئ على ما سيأتي بعدها، وكأنّ الزمن عنده لا يُقاس بالتراكم بل بالحضور. ولو قيض له أن يكون قديساً لأعطي صفة قديس الفرح اليومي البسيط.
من هنا تأتي تلك الجملة التي كان يرددها ببساطة مفاجئة: «أنا جاهز للرحيل» و«المحبة أقوى من الموت» بوصفها شكلاً من الحرية الداخلية، الحرية التي تصنع الأحلام، حيث لا يعود المستقبل تهديداً، بل مجرد امتداد مفتوح لحياة أوسع من الرجاء.
وفي قلب هذا كله، بابه مفتوح لكل ضيف وزائر وكل منهم يأتي ساعٍ الى أمر خاص به ولكنهم يتقاسمون انطباعاً تلقائياً وبنوع من الدهشة، إنّه «مهضوم» والمهضوم بالمعنى العامي الانساني اليومي الشخص اللطيف، الخفيف الظل، القريب من القلب، يترك أثراً من المحبة والإلفة دون تكلّف، حضوره سهل، دافئ ومحب. ودون أن تلاحظ هناك فرح داخلي يتسرّب منه ولا يبحث عن سبب واضح ليظهر.
اللقاء به لم يكن يُقاس بكمّ الكلام أو عمقه الظاهر ولا بالوعظ والتعليم، بل بما يتركه بعده من أثر غير مرئي. كان كثيرون يأتون إليه بدافع الفضول، ويردد بلهجته المحببة يريدون رؤية «الظاهرة- phènomene»كمن يريد أن يرى كيف يكون ناسكاً ويعيش في القرن الواحد والعشرين، لكنهم كانوا يخرجون بعكس ما أتوا من أجله. لم يقدّم خطاباً، ولا يبني فكرة مكتملة، بل يخلق جوّاً داخلياً، لذلك كان حضوره أقرب إلى إعادة ترتيب صامتة للداخل لأنّ انفتاحه على الآخر كان طريقة عيش. يتعامل مع الاختلاف بلا توتر، ومع الناس بلا تصنيف، وكأنّ كل من يدخل صومعته يدخلها كاملاً كما هو، من دون حاجة إلى تعديل مسبق، بل مساحة واسعة تتّسع للناس كلهم، ميناء مفتوحة للجميع وهي «بطولة» تنبع من مسار إنجيلي يقول النظرة الى الآخر طريق الى الخلاص.
في صومعته الجبلية ككل النساك الموارنة، تقلّص العالم إلى عناصره الأولى: الصمت، الصلاة، العمل اليدوي، القراءة، الكتابة، والإنصات العميق للطبيعة. كان يقول: «أنا سعيد، من جرّب هذه الحياة لن يريد سواها». وفي هذا القول تتجلى العزلة كعالم من الامتلاء..
هذا النوع من الحضور، لا يمكن فصله عن الذاكرة الروحية العميقة لـ وادي قاديشا، الذي شكّل منذ القرون الأولى للمسيحية ملاذاً للرهبان والنسّاك الباحثين عن حياة تأملية عميقة. ومع مرور الزمن، تحوّل إلى أحد أهم المراكز النسكية في الشرق المسيحي، حيث تنتشر الأديرة مثل قزحيا، حوقا، قنوبين ومار اليشاع، في شبكة روحية أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالخالق على أساس الصلاة والعمل و التأليف والتعليم والنشر. و داريو كان امتداداً متأخراً لذاكرة قديمة، لكن بصيغة معاصرة تماماً ومشهد يومي حيّ. من هنا، يكمن جمال تجربة رجل أتى من قارة بعيدة من غرب الكرة الأرضية وقرّر أن يصبح امتداداً ثابتاً ونهائياً لهذا الإرث الروحي الطويل.
وجلّ ما يعبر عن ذلك ما جاء في الكلمة التأبينية المهيبة للأب العام للرهبنة اللبنانية المارونية هادي محفوظ: « تجوّل في النور.. لأنّك اعتنقت المحبة.. أنت من شرق الى غرب ومن غرب الى شرق سوف تتنقل في عالم النور الأزلي..»

