من مالكوم كير إلى تهديد الجامعة الأميركية في بيروت AUB : ما لا يراه ريكاردو كرم
من مالكوم كير إلى تهديد الجامعة الأميركية في بيروت AUB : ما لا يراه ريكاردو كرم
بسطحية عجيبة، وبقدر من التبسيط المريب، قرّر ريكاردو كرم، العضو السابق في مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، أن يختصر حيثية حزب الله.
"هول لبنانية… عم يدافعوا عن ما تبقّى لهم من أرض وكرامة… حزب لبناني… ردة فعل طبيعية."
بهذه السطحية العجيبة، وبهذا القدر من التبسيط المريب، قرّر ريكاردو كرم، العضو السابق في مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، أن يختصر حيثية حزب الله. فقد تغافل عن دولة منتهكة ومخطوف قرارها، وعن سلاح منتشر خارج الشرعية، وعن قرار حرب وسلم تتحكم به طهران، وعن اغتيالات وأعمال خطف أودت بحياة مفكري وأدمغة لبنان، وعن ترهيب ووعيد أربك حياة اللبنانيين، ناهيك عن انعدام مفهوم السيادة؛ لا بل إنه تجاهل تاريخ الجامعة الأميركية في بيروت وما دفعه بعض أبنائها وأساتذتها ورؤسائها من ثمنٍ في مواجهة هذا العنف. إنهم، بحسب ريكاردو، فقط "شباب لبنانيون "يدافعون عن الكرامة"!
يا لها من كرامة سهلة لا بل خفيفة يُعلَن عنها من استوديو تلفزيوني. ويا لها من بطولة نزيهة عندما تُغسل بلغة العلاقات العامة. ويا لها من ذاكرة مريحة عندما تبدأ من إسرائيل وتنتهي عند إسرائيل، وتقفز فوق كل ما ارتكبه حزب الله بحق اللبنانيين، وبالدولة اللبنانية، وبالجامعة الأميركية في بيروت نفسها.
أن يصدر هذا الكلام عن إعلامي أو صاحب رأي سياسي أمر يمكن الرد عليه في سياقه. أما أن يصدر عن عضو مر في مجلس أمناء الجامعة، فهذه مسألة مختلفة تمامًا. لأن الجامعة ليست تفصيلاً في السيرة الذاتية، وليست وسامًا اجتماعياً يُعلّق على الصدر عند اللزوم، وليست خلفية أنيقة لصورة عامة. الجامعة مؤسسة ذاكرتها قوية، وخسرت ضحايا، وتاريخها عريق وطويل الأمد لجهة الصمود في وجه العنف السياسي. ومن يحظى بعضوية مجلس أمنائها يُفترض به أن يكون على دراية بأن تبييض السلاح لا يمكن أن يكون رأيًا عابرًا، بل إنه طعن في ذاكرة المؤسسة التي يزعم خدمتها.
كرم الذي يرى في إسرائيل سبباً رئيساً وراء كوارث المنطقة يستعمل هذه الفرضية كأداة لمحو تاريخ حزب الله وطمس سجلاته. كأن جرائم إسرائيل تمنح الحزب براءة دائمة. وكأن الاحتلال الإسرائيلي يعفي الميليشيا الإيرانية من مسؤوليتها عن قتل اللبنانيين، وخطف قرار الدولة، وجرّ البلاد إلى الحروب، وفرض الوصاية على قرار البلد الوطني.
أن يُصرح أحدهم بأن عناصر حزب الله "لبنانيون" ليس اكتشافاً عبقرياً. نعم، هم يحملون الهويات اللبنانية. نعم، هم أبناء قرى ومدن لبنانية. لكن السؤال لم يكن يوماً عن سجلات النفوس. السؤال هو: لمن يعود القرار؟ من يملك السلاح؟ من يحدد الحرب؟ من يفاوض؟ من يأمر؟ من يدفع؟ ومن يستفيد؟ اللبناني بالولادة لا يصبح مشروعه لبنانياً إذا كان قراره الاستراتيجي جزءاً من الحرس الثوري الإيراني.
وهنا تحديداً تصبح صفة كرم في مجلس أمناء الجامعة ذات معنى. فهو لا يتحدث فقط كمعلّق تلفزيوني يجيد تلميع الشخصيات وتحويل الخطر إلى مادة ناعمة قابلة للاستهلاك. هو يتحدث أيضاً من موقع مرتبط بمؤسسة اغتيل رئيسها مالكوم كير، وخُطف عدد من أساتذتها، وعاشت في قلب بيروت الغربية زمن الرعب الذي لا يجوز لأي عضو في مجلس أمنائها أن يتعامل معه كأنه تفصيل مزعج في سردية "المقاومة". مالكوم كير لم يكن عدواً لفلسطين. لقد كان أكاديمياً عميق الصلة بالعالم العربي وببيروت وبالجامعة. ومع ذلك اغتيل في 18 كانون الثاني 1984 أمام مكتبه في الجامعة، إذ نُسبت يومها هذه الجريمة إلى "الجهاد الإسلامي"، التنظيم الذي ارتبط في الذاكرة السياسية والأمنية بمرحلة نهوض النفوذ الإيراني المسلح في لبنان.
والأمر لا يتوقف عند الماضي. منذ أسابيع فقط، اضطرت الجامعة إلى الانتقال مؤقتاً إلى التعليم عن بُعد بعدما انتشرت تهديدات إيرانية ضد الجامعات الأميركية في المنطقة، وبعد أن ردّد معلّقون قريبون من حزب الله هذه الأجواء وسمّوا الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الأميركية كأهداف محتملة.
ماذا فعلت عقلية التبييض أمام ذلك؟ تجاهلت الأمر. بل الأسوأ من ذلك: استمرت في توصيف الحزب نفسه وممارساته كـ "ردة فعل طبيعية". عجيب! عندما تُهدَّد الجامعة الأميركية، نصمت. وعندما تُستحضر إيران بوصفها مصدر تهديد للجامعات الأميركية في المنطقة، نخفض الصوت. وعندما يتحول حرم جامعي إلى هدف محتمل في خطاب الممانعة، نطلب من الطلاب والأساتذة أن يتفهّموا "السياق". أما عندما يُسأل حزب الله عن سلاحه، نستعيد فجأة العواطف، وتُثار الحامية للدفاع عن الكرامات والأرض، ونتغنى بالبطولات، ونستحضر الجنوب، وكأن كل ذاكرة لبنان يجب أن تُحشر في مونتاج تلفزيوني من ثلاث دقائق.
ثم هناك مسألة الأموال والسمعة والمسؤولية. الجامعة ليست جمعية خاصة في حيّ معزول عن العالم. إنها جامعة ذات هوية أميركية ولبنانية وعالمية، وتستفيد من شراكات ومنح وبرامج تمويل، بينها برامج ممولة من الحكومة الأميركية لمساعدة الطلاب وتوسيع فرص التعليم. برامج عديدة في الجامعة، على سبيل المثال، هناك برنامج مِنَح عَلَني ممول من الحكومة الأميركية في لبنان. هذه الأموال ليست ترفاً، إنها أموال مخصصة لمساعدة طلاباً محرومين ومجتمعات تحتاج إلى التعليم لا إلى بطولات خطابية على حساب مستقبل تلك الفئات المهمشة.
لذلك، عندما يخرج عضو- و لو سابق- في مجلس أمناء الجامعة ليقدّم حزب الله بهذه البراءة الوجدانية، فالمسألة لا تعود مجرد "رأي"، بل تتعدى ذلك لتصبح مخاطرة أخلاقية ومؤسسية. هل يفكر كرم في الطلاب الذين يحتاجون إلى المنح؟ في الباحثين الذين يعتمدون على ثقة دولية؟ في الجامعة التي يجب أن تحمي نفسها من أن تُستعمل كديكور لتجميل مشروع مسلح؟ أم أن الجامعة عنده مجرد منصة وجاهة، وموقع اجتماعي، وأداة أخرى لتعزيز علاقاته العامة تُضاف إلى شبكة اتصالاته وأرشيف صوره واحتفالاته؟
حزب الله ليس مُكَون بريء أنتجه التاريخ. إنه مشروع سلطة مسلحة استثمر في المظلومية ليصادر الدولة، واستغل قضية فلسطين ليحكم لبنان، واستعمل الأراضي اللبنانية ليخدم إيران وينفذ أجنداتها. أما تكرار مقولة أن عناصره "لبنانيون"، فهذه بدعة لغوية رخيصة ومبتذلة. اللبنانيون أنفسهم كانوا أيضاً ضحايا حزب الله. الجنوبيون كذلك دفعوا ثمن مغامراته. كما وأن ذاكرة الجامعة الأميركية في بيروت نشطة ولا يستطيع أحد غسلها بالصابون التلفزيوني.
ريكاردو كرم يستطيع أن يلمّع صورة من يشاء في الاستوديو. يُمكنه أن يحوّل الخطر إلى موضوع إنساني، ويلبس السلاح ثوب "الكرامة"، ويجعل من التبعية "قضية". لكن هناك أمور لا يُمكن غسلها وطمس حقيقتها: دم مالكوم كير، وخطف الأساتذة، وتهديد الجامعات، وترهيب الطلاب. أما الجامعة، التي لم تنكسر أمام الحرب والخطف والاغتيال، فتستحق من أعضاء مجلس أمنائها أكثر بكثير من هذا التبييض المتخاذل والتزلف لحزبٍ لا يعترف بسيادة الدولة، ولا بقدسية صرح علمي جامعي، ولا بالحرية التي جعلت من هذه الجامعة منارة معرفية شامخة قائمة بحد ذاتها.

