لماذا تُرك الخليج وحيداً في هرمز؟
لماذا تُرك الخليج وحيداً في هرمز؟
المعضلة بالنسبة للخليج لم تكن في القدرة العسكرية، بل في غياب الثقة السياسية بالقرار الأميركي.
لم يكن فشل مهمة تأمين الملاحة في مضيق هرمز مجرد تعثر عسكري أو تراجع تكتيكي أميركي، بل كشف بصورة واضحة حجم الأزمة العميقة التي تضرب الثقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين.
فمنذ الأيام الأولى للتصعيد، حاولت الولايات المتحدة إظهار نفسها كقوة قادرة على حماية خطوط الطاقة العالمية وفرض حرية الملاحة بالقوة إذا لزم الأمر، فأرسلت القطع البحرية وأعلنت عملياً بدء مهمة حماية السفن التجارية. لكن بعد يومين فقط، بدأت العملية تتفكك بصمت، قبل أن يجري تعليقها تحت عنوان «إعطاء فرصة للمفاوضات»، في مشهد عكس ارتباكاً أميركياً أكثر مما عكس حرصاً على الحلول الدبلوماسية.
ذلك التراجع السريع لم يمرّ مرور الكرام في العواصم الخليجية. فالدول الخليجية التي كانت تُدفع للمشاركة أو الدعم اللوجستي لم تكن تنظر إلى المسألة باعتبارها مجرد عملية بحرية محدودة، بل كانت ترى نفسها على حافة مواجهة مفتوحة مع إيران، في وقت لا تملك فيه أي ضمانات حقيقية بأنّ الولايات المتحدة ستخوض الحرب حتى النهاية إذا انفجرت المنطقة بالكامل. ومع مرور الأيام، بدأت الصورة التي حاولت واشنطن رسمها تتصدع أكثر، خصوصاً بعد الهجوم الإيراني على الإمارات، والذي شكّل لحظة مفصلية في نظرة الخليج إلى الموقف الأميركي.
فالهجوم الإيراني لم يستدعِ أي ردّ عسكري أميركي مباشر، ولم تشهد المنطقة ضربات انتقامية واسعة، بل جرى التعامل معه بخطاب بارد أقرب إلى محاولة احتواء الحدث إعلامياً. وهنا بدأت الشكوك الخليجية تتحول إلى قناعة: واشنطن تريد من حلفائها المخاطرة، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن الحرب بنفسها. والأسوأ بالنسبة لكثير من العواصم الخليجية أن إدارة ترامب بدت مستعدة لتوصيف أي ضربة إيرانية على أنّها «حادث محدود» لتفادي الانجرار إلى مواجهة شاملة، حتى لو كان ذلك على حساب أمن حلفائها.
وبحسب مصادر استخباراتية خليجية مطلعة على النقاشات التي دارت خلال الأسابيع الماضية، فإنّالسبب الحقيقي لرفض الإنخراط الكامل في مهمة هرمز لم يكن الخوف العسكري بحد ذاته، بل غياب الضمانات الأميركية الواضحة. فالدول الخليجية طلبت التزامات صريحة بأنّ أي هجوم إيراني سيقابله ردّ أميركي مباشر وقاسٍ، لكن تلك الضمانات لم تأتِ أبداً. بل إنّالتجربة الإماراتية عززت القناعة بأنّ واشنطن قد تترك حلفاءها يواجهون الضربات وحدهم، بينما تكتفي هي بإدارة الأزمة إعلامياً وسياسياً.
وفي المقابل، حاولت وسائل الإعلام الأميركية تصوير الموقف الخليجي على أنّه تردد أو عدم رغبة بالمشاركة، وكأنّ دول الخليج تخلت عن الولايات المتحدة في لحظة حساسة. إلا أنّ هذه الرواية تجاهلت السؤال الأهم: لماذا تدخل هذه الدول حرباً مفتوحة إذا كانت القوة العظمى نفسها لا تبدو مستعدة لخوضها؟ فالمعضلة بالنسبة للخليج لم تكن في القدرة العسكرية، بل في غياب الثقة السياسية بالقرار الأميركي.
اليوم، تبدو واشنطن وكأنّها تخسر معركة الإرادة قبل أن تخسر الميدان. فإيران بنت استراتيجيتها منذ البداية على اختبار مدى استعداد ترامب للذهاب نحو الحرب، وكل المؤشرات التي خرجت من البيت الأبيض حتى الآن تعطي انطباعاً معاكساً تماماً. التردد الأميركي، ومحاولة الفصل بين «الرد المحدود» و«الحرب الشاملة»، وعدم الحسم بعد استهداف الحلفاء، كلها عناصر دفعت طهران إلى الاعتقاد بأنّ خصومها لا يريدون التصعيد الحقيقي مهما ارتفع مستوى الضغوط.
وفي الحروب الكبرى، لا تُحسم المعارك فقط بالصواريخ والأساطيل، بل أيضاً بقدرة الأطراف على إقناع خصومها بأنّها مستعدة للذهاب حتى النهاية. وحتى الآن، تبدو إيران أكثر اقتناعاً بقدرتها على تحمل التصعيد من اقتناع حلفاء واشنطن بأنّ الولايات المتحدة ستقاتل فعلاً إذا اشتعل الخليج بالكامل.

