برج حمود وما بعدها.. قصة شعب حوّل الألم إلى إنجاز
برج حمود وما بعدها.. قصة شعب حوّل الألم إلى إنجاز
من ذاكرة الإبادة إلى ورش العمل والمدارس والكنائس، نسج الأرمن لأنفسهم مكاناً يتجاوز حدود النجاة، ليصبحوا جزءاً حيّاً من تكوين لبنان الحديث.
في الذكرى الـ111 للإبادة الأرمنية، لا يمكن الحديث عن الأرمن في لبنان من باب «جالية»، بل من باب مكوّن أساسي ساهم في صياغة جزء من هوية البلد الحديثة.
في 24 نيسان من كل عام، لا يستعيد الأرمن في لبنان مجرد ذكرى، بل يعيدون تثبيت جزء من هويتهم الجماعية المرتبطة بما يعتبرونه إبادة جماعية تعرّض لها أجدادهم بين عامي 1915 و1917. لكن، وبعد أكثر من قرن، لم تعد هذه الذاكرة وحدها ما يعرّف حضورهم في لبنان، بل تحوّلت إلى أساس تجربة كاملة من إعادة البناء والاندماج.
وصل الأرمن إلى لبنان على دفعات حاملين إرثاً ثقافياً وحضارياً عريقاً تمدّد في عروق المجتمع اللبناني وشكّل قيمة مضافة الى تاريخه.
بدت دفعات اللاجئين الأرمن تصل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، حين لجأ عشرات الآلاف هربًا من المجازر في الأناضول، ثم تبعتهم موجة جديدة عام 1939 من لواء إسكندرون. استقرّوا بداية في مخيمات، قبل أن يؤسسوا تدريجيًا أحياء خاصة بهم، أبرزها برج حمود، التي تحوّلت من منطقة هامشية إلى مركز صناعي وتجاري يعكس قدرة جماعة مهجّرة على إعادة تشكيل المكان والاقتصاد في آن واحد.
لم تكن أولوية الأرمن البقاء فقط، بل الاستمرار كجماعة. لذلك، كان أول ما بنوه كنيسة ومدرسة، قبل البيوت أحيانًا. من هنا، نشأ توازن دقيق بين الاندماج والحفاظ على الهوية: اندمجوا في المجتمع اللبناني سياسيًا واجتماعيًا، لكنهم حافظوا على لغتهم ومؤسساتهم وثقافتهم، معتبرين أنّ الذاكرة - خصوصًا ذاكرة الإبادة - جزء لا يتجزأ من وجودهم في الشتات.
اقتصاديًا، لعب الأرمن دورًا يتجاوز حجمهم العددي. برعوا في الحرف الدقيقة والصناعات الصغيرة، من المجوهرات والأحذية إلى الطباعة والنجارة، وأسهموا في بناء سمعة اقتصادية قائمة على الجودة والإتقان. ومع الوقت، تحوّلت مناطق وجودهم إلى مراكز إنتاج حقيقية، خصوصًا في بيروت والمتن، ما أضاف قيمة نوعية للاقتصاد اللبناني.
ثقافيًا وتعليميًا، لم يكتفوا بالحفاظ على هويتهم، بل ساهموا في الحياة العامة. كما نشطوا في الصحافة والفنون والموسيقى، وتركوا أثرًا واضحًا في المشهد الثقافي اللبناني.
سياسيًا، تموضع الأرمن ضمن النظام اللبناني كمكوّن فاعل، مع تمثيل نيابي وحزبي، أبرزُه حزب الطاشناق، مع حضور لأحزاب أخرى. لكن ما ميّز تجربتهم هو اعتمادهم ما يمكن وصفه بـ«الحياد الملتزم»، خصوصًا خلال الحرب الأهلية، حيث سعوا إلى تجنّب الانخراط في الصراعات، ولعبوا أحيانًا دور الوسيط بين الأطراف.
ورغم هذا الحضور، يواجه الأرمن اليوم تحديات متزايدة، أبرزها تراجع أعدادهم نتيجة الهجرة، خصوصًا بعد الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019 وانفجار مرفأ بيروت في 2020، الذي أصاب مناطق تواجدهم الأساسية.
اليوم، وبين الذاكرة الجماعية للإبادة وتحديات الهجرة والأزمات، لا يزال الأرمن في لبنان يحافظون على هذا الإرث: شعبٌ حمل جرح التاريخ، لكنه حوّله إلى طاقة بناء.
فقصتهم في لبنان ليست فقط قصة لجوء، بل قصة إعادة خلق الذات داخل وطن جديد وإضافة قيمة حقيقية إلى نسيجه المتعدد.

