حزب الله بعد نصرالله: خطاب لم يغادر الماضي
حزب الله بعد نصرالله: خطاب لم يغادر الماضي
رفض الاعتراف بالهزيمة أو التراجع لا يلغي وقوعهما، بل يؤجل لحظة المراجعة ويجعلها أكثر صعوبة.
نقترب من الذكرى الثانية لاغتيال حسن نصرالله، لكن حزب الله، في خطابه السياسي تحديداً، لا يزال عالقاً في المرحلة التي سبقت اغتيال أمينه العام. أكثر من ذلك، يبدو أنّ الحزب لم يتأقلم بعد مع الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، ولا مع التغيّرات التي أصابت موقعه في الداخل اللبناني وفي مواجهة إسرائيل. وكأنّ كل ما جرى خلال هذه الفترة لم يكن كافياً ليدفعه إلى مراجعة خطابه أو إعادة صياغة استراتيجيته.
يكفي النظر إلى تصريحات عدد من مسؤوليه في الأسبوع الماضي. قال النائب إيهاب حمادة إنّ «الصبر لا يعني الضعف، وأنّ القوة والقدرة ستظهران في اللحظة المناسبة»، فيما قال النائب علي عمّار، خلال جلسة المساءلة للحكومة في مجلس النواب، إنّ «المقاومة باقية باقية باقية». أما نعيم قاسم، فلا يزال يؤكد أنّ المقاومة هي المشروع الوحيد القادر على تحرير الأرض.
المشكلة هنا ليست في أنّ حزب الله ما زال يتمسك بموقفه من إسرائيل أو يرفض التخلي عن فكرة المقاومة. من حق أي حزب أن يتمسك بمشروعه السياسي وأن يدافع عن خياراته. المشكلة تكمن في أنّ الخطاب لم يتطور، رغم أنّ الواقع الذي يفترض أن يعبّر عنه تغيّر بصورة جذرية.
فما كان يُقال قبل اغتيال نصرالله لا يزال يُقال بعده تقريباً باللغة نفسها، والمفردات نفسها، والمنطق نفسه: المقاومة موجودة، القوة موجودة، والقدرة ستظهر في الوقت المناسب، والتحرير هو الهدف. لكن أين أصبحت هذه الشعارات من الواقع؟ إسرائيل تقوم منذ أشهر باستهداف مواقع وقرى في الجنوب وتدمير أجزاء منها، فيما لا يظهر رد عسكري من الحزب يتناسب مع الصورة التي يقدّمها عن قدراته وعن معادلة الردع.
وهنا تحديداً تظهر أزمة الخطاب. فحين يتحدث مسؤول في حزب عن القوة والقدرة، فإنّ الجمهور لا يسمع الكلمات في فراغ، بل يقارنها بما يراه على الأرض. وحين يقال إنّ المقاومة هي المشروع القادر على تحرير الأرض، يصبح السؤال الطبيعي: ما هي أدوات هذا المشروع في المرحلة الحالية؟ وما الذي تغيّر بعد الضربات التي تلقاها الحزب؟ وما هي الاستراتيجية الجديدة التي يفترض أن تحمي الجنوب وتمنع إسرائيل من الاستمرار في فرض إيقاعها العسكري؟
لا يبدو أنّ الحزب قدّم حتى الآن إجابات سياسية واضحة عن هذه الأسئلة. بل إنّ الانطباع الذي يتركه خطابه هو أنّه يحاول التعامل مع مرحلة جديدة بأدوات خطابية تنتمي إلى مرحلة سابقة. وهذه ليست مشكلة لغوية أو إعلامية فقط، بل مشكلة سياسية واستراتيجية. فالأحزاب التي تمرّ بتحولات كبرى تحتاج إلى إعادة قراءة الواقع، وتحديد ما الذي بقي ثابتاً وما الذي تغيّر، ثم بناء خطاب جديد على أساس ذلك.
الثبات على الهدف لا يعني الجمود في الوسيلة. والاعتراف بأنّ الظروف تغيّرت لا يعني بالضرورة التخلي عن المشروع. بالعكس، القدرة على التكيف وإعادة تقييم الأدوات هي جزء أساسي من بقاء أي تنظيم سياسي قادراً على التأثير. أما التعامل مع كل تطور باعتباره مجرد مرحلة مؤقتة، مع الإصرار على أنّ الأدوات نفسها ستؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها، فقد يجعل الحزب منفصلاً تدريجياً عن الواقع الذي يتحرك فيه.
وهذا ينطبق أيضاً على الداخل اللبناني. فلبنان الذي يتعامل معه "حزب الله" اليوم ليس لبنان الذي كان عليه قبل سنوات. هناك نقاش متزايد حول موقع السلاح، وحصرية قرار الحرب والسلم، ودور الدولة، ومستقبل الجنوب، وعلاقة لبنان بالمحيط العربي والمجتمع الدولي وبإسرائيل. وهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد تكرار العبارة الببغائية «المقاومة باقية».
المطلوب خطاب سياسي يشرح للبنانيين كيف يرى الحزب موقعه في الدولة، وما الذي يريد فعله في المرحلة المقبلة، وكيف يتعامل مع المتغيرات التي لم يعد ممكناً تجاهلها.
بعد اغتيال نصرالله، كان يفترض أن تكون هناك لحظة مراجعة حقيقية. ليس فقط لأنّ الحزب فقد قائده التاريخي، بل لأنّ الظروف التي نشأ فيها جزء كبير من خطابه تغيرت أيضاً. لكن ما نسمعه من مسؤوليه حتى الآن لا يوحي بانتقال واضح إلى مرحلة فكرية وسياسية جديدة. بل يبدو أحياناً كأنّ الحزب يحاول الحفاظ على الخطاب القديم أملاً في الحفاظ على الصورة القديمة. ولكن هيهات.
وهذه معضلة كبيرة. فالحزب الذي لا يتطور مع الأحداث، تسبقه الأحداث. والحزب الذي لا يعترف بتغيّر موازين القوى، يجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع نتائج هذا التغيّر من موقع أضعف. كما أنّ رفض الاعتراف بالهزيمة أو التراجع لا يلغي وقوعهما، بل يؤجل لحظة المراجعة ويجعلها أكثر صعوبة.
قد تبقى المقاومة شعاراً، وقد يبقى الحزب متمسكاً بمشروعه، لكن بقاء الشعار لا يعني بقاء الظروف التي أنتجته بالطريقة نفسها. الحزب الذي لا يتطور مع الأحداث لا يبقى ثابتاً؛ بل يتأخر عنها. والحزب الذي لا يتأقلم مع الهزيمة والتراجع، في الداخل كما في مواجهة إسرائيل، يعرّض نفسه لأن يتحول التراجع عنده من نتيجة لمرحلة معينة إلى مسار مستمر.

