لا أريده أن يموت سعيدًا.. أريده سعيداً لأنه عاش!
لا أريده أن يموت سعيدًا.. أريده سعيداً لأنه عاش!
أن تولد في لبنان، في هذه الجغرافيا الصعبة والمعقّدة، معناه أن تولد في صندوق بريد دامٍ حيث تُوجَّه منه الرسائل بلحمك شرقًا وغربًا.
أن تولد في لبنان معناه أن ترث منذ الولادة كمًّا من الازمات والعداوات والعوائق، والتوتر المذهبي والطائفي والمناطقي، الذي لا ناقة لك فيه ولا جمل. تولد في لبنان وعلى كتفيك أوزار الهموم العربية الشائكة من فلسطين إلى سوريا إلى مصر إلى العراق، إلى الخليج، إلى الجزائر اضافة الى الصراعات الإقليمية والدولية.
أنت في لبنان تستيقظ صباحاً ولا تعرف إن كان يومك سيمضي عاديًا أم ستبدأ فيه حرب جديدة إسنادًا «لغزة» أو لطهران أو لأي جهة أخرى تبعًا للقضايا الرائجة، ولا تعرف إن كان أولادك سيعودون إلى البيت سالمين من مدارسهم وجامعاتهم، أن تولد في لبنان معناه أن تبني بيتاً أو تفتح متجراً أو تزرع حقلاً ثمّ تكتشف أن كل ما بنيته وزرعته قد يصبح في لحظة واحدة هباء، أو رهينة لصراع طويل أكبر من قدراتك.
هكذا يعيش اللبناني: موت، حروب ونزوح وتهجير وخوف وانتظار، حياته وحياة أولاده وجيرانه وأصدقائه دائمًا في المرتبة الأخيرة في قائمة الحسابات السياسية والعسكرية والإقليمية، لقد تعب من ان يطلب منه ان يتفهم الحرب بينما لا يسأله أحدهم ان كان يريدها، وسط هذا كلّه هناك لغة اخرى تواكب الحرب وتحاول أن تمنح الموت معنى اذ نسمع عن «قتيل» أنه «ارتقى سعيدًا».
أتوقف عند هذه العبارة، وأنا العارف أنّ للشهادة مكانتها في معتقدات الناس، وأفهم أنّ أهل «الشهيد» قد يجدون في هذه العبارة عزاء يخفّف عنهم ألم الفقد، وأفهم تماماً أن تكون للشهيد في عقيدة أهله مكانة روحية عظيمة، وأنا هنا لا أريد أن أنتزع من إنسان حزين الحقّ في الإيمان والتعزية، لكنني أتساءل عن اللحظة التي تنتقل فيها العبارة من عزاء أهل الميت إلى خطاب عام يجعل الموت في الحرب مجدًا ويجعل استمرار الحرب أمرًا عاديًا ومقبولًا لا بل مطلوبًا.
وهناك فرق بين أن نجد معنى في موت قد وقع وبين أن نصنع من الموت قيمة تستحقّ أن تتكرر. فالقتيل لم يكن مجرّد شهيد في صورة او اسم او بيان: كان انسانًا له وجه وبيت وله أم وأب وعائلة وأصدقاء وأحلام وذكريات وأيّام لم يعشها، وليس الموت أقلّ مأساوية لأنه حمل اسماً دينياً أو فقهيًا أو عسكريًا جميلًا، وكما لا أريد أن يجمّل موت مقاتل بلغة الشهادة فإنني لا أريد أن يُجرَّد موت المدني من إنسانيته بلغة عسكرية باردة: «هدف» «ضربة» «إنجاز» «صمود»«انتصار»، وقد تختلف الوقائع والمسؤوليات، ولا أريد هنا أن أساوي بينها، ولكنني أريد أن يبقى الإنسان حاضراً في كل سردية عن الحرب، لا أن يصبح الغضب مطلوبًا لذاته ولا أن يُحتفى بالموت، ولا أن يٌختزل الآخر الى عدوّ لا يستحقّ التعاطف لا بل مدعاة للشماتة والتشفّي، لقد دفعنا أثماناً هائلة من أرواحنا وأعمارنا وبيوتنا وأرزاقنا، لذلك أرفض أن يكون لبنان ساحة صراع بين حزب الله وإسرائيل أو بين أميركا وإيران أو بين اللبنانيين فيما بينهم، ولا اقول ان الوقائع متطابقة، أقول فقط إن اللبناني لا ينبغي له أن يكون الثمن.
لقد تعبنا من لغة التضحيات حين يكون المطلوب دائماً من أولاد الناس أن يضحوا، لقد تعبنا من «الانتصارات» التي تترك وراءها خرابًا وركاماً، وقرى مختفية عن الخارطة وأمّهات ثكالى وأطفالًا مؤدلجين وخائفين ومشردين وهنا أتساءل: لماذا يتمّ تحويل القتلى الى أدوات دعائية؟ ولماذا علينا تجميل الموت كي نستطيع تحمّل اثقال الحرب؟ لماذا عليهم أن يموتوا أصلًا؟ ولماذا يصبح من تقاليدنا استقبال المزيد من الشباب القتلى بالزغاريد والشعارات والتبريك؟ كيف تمكن الموت في الحرب أن يكون "سعادة"؟
ليس من البطولة أن نموت في الحرب؛ فالبطولة الحقيقية هي في منع الحرب كي يعيش الإنسان بسعادة. فحضارة العنف تمنح الموت عشرات الاسماء الجميلة ولكنها لا تستطيع أن تمنح الانسان ابسط حقوقه: أن يعيش آمنًا وسعيدًا.
لقد تعبنا من أن يصبح الموت شيئًا علنيًا وأن نتعلّم كيف نفتخر به ولهذا حين أسمع «ارتقى سعيدًا» لا أريد أن أجادل الأهل في حزنهم، ولا في إيمانهم، بل أسأل سؤالاً آخر: لماذا لا يكون طموحنا أبسط؟ لماذا لا تكون سعادتنا في الحياة نفسها؟ لماذا لا يكون الانتصار في أن يعود الشاب الى أمّه والاب الى أطفاله، وفي أن يبقى البيت قائمًا والحقل مزهرًا وأن يفتح الانسان أبواب متجره صباحًا ويعود منه سالمًا مساء؟ ولماذا على أطفال لبنان أن يكبروا على اصوات القذائف وعويل الثكالى والأيتام؟ أريده أن يحبّ ويفرح ويتزوّج ويرزق بأطفال ويخطئ ويتعلم من أخطائه، وأن يختلف مع الآخرين دون أن يقتلهم أو يقتلوه. أريده سعيداً لأنه عاش، هذه العبارة التي أتمناها لغة للمستقبل لأنّ أكثر ما يؤلم ليس صوت الحرب فقط بل اللغة التي تتناسل منها، لأنّ أي قراءة للحرب تفقد معناها الإنساني والأخلاقي عندما تنشغل بالخطابات السياسية والاستراتيجية وتتجاهل أولئك الذين يدفعون ثمنها مباشرةً، وكأنّ الموت رقم في معادلة، والدمار تفصيل، والخوف مجرّد كلفة جانبية لا تستحقّ التوقف عندها.
أريد خطاباً «سياسياً» يستطيع القول أن يبقى الانسان أكبر من الرواية التي يقتل من أجلها، وأن تبقى للانسان مساحة في الصورة لا أن يختفي وراء المصطلحات العسكرية والخرائط.
أرفض الاصغاء الى كلّ من يعلّمني كيف أحبّ الحرب والى من يحاول اقناعي بأنّ موت الأبرياء "ضرورة" ولا الى من يحوّل كلّ مأساة الى مناسبة لإثبات موقفه السياسي، لقد أتعبنا الذين يتبارون في شرح لماذا كانت الحرب "ضرورية" ولماذا كان القتل "ضروريًا" ولماذا كان الخراب والدمار ثمنًا لا بدّ منه، فأنا لا أستطيع ايقاف الحرب ولكن بوسعي رفضها والتنديد بها وتدنيس العنف المقدّس لأنني لا أريد أن أفقد انسانيتي وأنا اقاوم خطاب الكراهية، وحين يصبح تبرير الحرب اسهل من الاصغاء الى ضحاياها تفقد السياسة أي صلة لها بالواقع وبالإنسان.
انني أشفق على هذه الحضارة الجديدة، شرقًا وغربًا، تلك الحضارة التي اخترقت مجاهل الفضاء والبحار وأنزلت انسانًا على سطح القمر وأنجزت قفزة هائلة في الذكاء الاصطناعي ومكافحة الأمراض والتي ما تزال تحمل في أعماقها غرائز قديمة: الخوف والانتقام والتسلّط وارادة اخضاع الآخر بالقوّة عبر الاستيطان والاحتلال. فالشوارع قد تتعافى، والبيوت قد يعاد ترميها ولكن القلوب ستبقى تحت الركام، فكلّ قتيل كان حياة كاملة، وكل بيت مهدَّم كان وطناً صغيراً لعائلة..

